نص الخطاب الذي ألقاه السكرتير الأول للحزب الشيوعي الكوبي ورئيس مجلسي دولة ووزراء جمهورية كوبا، فيدل كاسترو روس، في حفل إعادة افتتاح مدرسة "سلفادور أليندي"، في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من العام 2001، "عام الثورة الظافرة في الألفية الجديدة".

(الطبعات الاختزالية مجلس الدولة)

حضرات الأساتذة وعمال البناء والشغيلة والطلاب وذويهم والمدعوين:

لنرَ كيف سيكون عليه هذا الحفل، لأن الاحتفالات في الملاعب وفي الأماكن المشابهة لهذا، هي احتفالات معقدة دائماً، فالبعض يتواجد في الخلف، وآخرون يتواجدون في جانب وآخرون في جانب آخر، وعندما يأتينا أحد يقول: "لا يُسمع!"، تحدث المأساة حينها (تصفيق وهتافات).

يوم أمس (تصفيق وأصوات مرتفعة تقول "لا يُسمع هنا!") حسناً، سأنصرف إذن وأتحدث إليكم عبر التلفزيون (أصوات مرتفعة تقول: "لا!"). ابذلوا شيئاً من الجهد، فأنتم، الذين يبدو وضعكم أكثر تعقيداً هناك في الخلف، تحلّوا بقليل من الصبر وساعدوا على أن يحل النظام اليوم (أصوات مرتفعة تقول: "مسموع، محسوس فيدل كاسترو روس").

أردت أن أقول بأن يوم أمس كان يوماً هادئاً، وكنا نستعد لإحياء نشاطين هامين: أولاً، إعادة افتتاح المدرسة والعام الدراسي بالغ الأهمية الذي يبدأ بهذا الحشد من الطلاب؛ وبالإضافة لذلك، كان كثيرون من أبناء وطننا ينتظرون الأنباء عن نتائج مسابقة "غرامّي" (Grammy) الشهيرة، حيث يشارك وفد هام وكبير العدد من الفنانين الكوبيين.

الهم الواحد الذي كان يشغلنا حين غادرنا فجراً، في وقت متأخر جداً، هو إن كانت السماء ستمطر في هذه المدرسة أم لا، فالأيام التي سبقت هذا الافتتاح تميزت بهطول أمطار غزيرة وجميعها سقطت في هذا الوقت تقريباً من النهار. فاتخذنا الحيطة بأن هيأنا مكاناً بديلاً نجري فيه عملية افتتاح العام الدراسي بأي حال من الأحوال، وإعادة افتتاح المدرسة.

تم الاحتياط لكل شيء، ولحسن الحظ أننا فعلنا ذلك بهذه الطريقة، لأن بعد كل ما هطل من أمطار اليوم، كان من شأن تلك المنطقة أن تكون غارقة بالمياه وبالوحل، رغم أنه كان قد تم إعداد مكان خاص للنشاط، ليشارك فيه 12 ألف شخص ما بين تلميذ وقريب ومدعو وعامل وساكن في الحي.

حسناً، ما كاد يمر وقت قصير على استراحتنا حتى بدأت تصل الأنباء عن أحداث خطيرة تقع في الولايات المتحدة وبالإضافة لذلك، كان يوم طقس غائم وماطر هنا-؛ وكان وما يزال لتلك الأنباء أهمية كبيرة. والإجراء الذي تم اتخاذه على الفور هو الإيعاز للمعهد الكوبي للإذاعة والتلفزيون بأن ينقل على نحو صارم من الدقة، أنباء ما يحدث هناك، بل وباستخدام برامج من المحطات التلفزيونية الأمريكية، ومن ثم الانتظار.

لم نفكّر بإلغاء الحفل، وما كان بالإمكان إلغاءه، رغم حالة التوتر العالمي التي انطوت عليها الأحداث. أتصور بأن كثيرين يعرفون تلك الأحداث؛ إنها تمثلت بالجوهر في أنه في حوالي الساعة التاسعة صباحاً اصطدمت طائرة بوينغ، من الطائرات الكبيرة، اصطداماً مباشراً بأحد البناءين اللذين يتكون منهما برج نيويورك، وهو أحد أكثرها ارتفاعاً في العالم، وله جناحان. وكما هو طبيعي، احترقت تلك الطائرة بما تحمل كل واحدة من هذه الطائرات الكبيرة من محروقات؛ بدأت تحدث مشاهد مروّعة، وبعد ذلك بثماني عشرة دقيقة هاجمت طائرة أخرى، تابعة أيضاً لشركة جوية أمريكية واصطدمت مباشرة بالجناح الآخر من البرج.

في ذات الوقت، بعد ذلك بدقائق قليلة، اصطدمت طائرة أخرى بالبنتاغون. وسط شيء من الاضطراب، أخذت تصل أنباء تتحدث عن قنبلة مقابل وزارة الخارجية الأمريكية وأحداث أخرى مريعة، مع أنني ذكرت أهمها.

مما لا شك فيه أن البلاد ذهبت ضحية هجوم عنيف ومفاجئ، لم يكن بالحسبان، وغير معهود، ولا سابقة له فعلاً، أدى إلى مشاهد مذهلة، خاصة حين ترى البرجين يشتعلان، وعلى الأخص، عند انهيارهما بطوابقهما المائة، فوق أبنية أخرى قريبة؛ من المعروف أنه يعمل هناك عشرات الآلاف من الأشخاص في مكاتب مختلفة تمثل شركات عديدة من بلدان مختلفة.

كان منطقياً أن يبعث ذلك الذهول في الولايات المتحدة وفي العالم، وبدأت أسواق العملات بالانهيار، ونظراً للأهمية السياسية والاقتصادية والتكنولوجية وجبروت الولايات المتحدة، ذهِل العالم اليوم أمام تلك الأحداث التي اضطر الأمر لمتابعتها على مدى اليوم؛ وفي ذات الوقت كان ضروريا تواصل الاهتمام من ناحيتنا بالشروط والظروف التي سيقام بها هذا الحفل.

وعليه، كان هناك موضوعان: المدرسة وعامها الدراسي بالغ الأهمية، والكارثة ذات الطابع السياسي والإنساني التي كانت قد وقعت هناك في نيويورك بالذات.

سأتكلم أولاً عن المدرسة.

بادئ ذي بدء من واجبي أن أقول بأن عمال البناء بذلوا جهداً هائلاً وقاموا بإعادة بناء هذه المدرسة خلال أشهر قليلة عملياً؛ إنها مهمة تبلغ من الحجم، إذ لم يسبق أبداً أن تمكن تنفيذها خلال مدة بهذا القصر.

شرحت المديرة بأن تلك المدرسة كانت قد أخذت بالسقوط، وتحملت كل الفترة الخاصة ووصل بها الأمر لأن تتحول إلى مأوى لمئات ومئات من العائلات. زرتها في أحد الأيام ولم تكن ولا حتى تشبه ما كانت عليه حين افتتحناها، في الخامس من كانون الأول/ديسمبر من عام 1974، كمدرسة لتأهيل معلمي المرحلة الابتدائية للعاصمة. حيث إن خلال السنوات الأربع عشرة التي عملت بها كمدرسة، خرّجت آلاف المعلمين. ثم لعبت أدواراً تربوية هامة أخرى، وكانت كلية للتعليم العالي،؛ ولكن جاءت الفترة الخاصة وجاءت معها جميع الصعوبات.

لم يكن وضع التعليم الابتدائي يعاني في ذلك الحين من النقص في عدد المعلمين الذي كان يعاني في هذه الآونة، إنها أزمة حقيقية بالفعل، يمكن تعريفها أو الإشارة إليها عبر حقيقة أنه تخرج خلال السنة التي انتهت للتو 37 مجازاً فقط لتعليم المرحلة الابتدائية.

كانت المدينة تعاني أسوأ الأوضاع في البلاد، درجة أن 80 بالمائة من التلاميذ كانوا يدرسون في غرف فيها 30 و35 و40 و45، وحتى 50 تلميذاً في بعض الأحيان؛ كان هناك حوالي 400 غرفة صف بأكثر من أربعين تلميذاً. وكان يعكس ذلك نفسه في التعليم، كما هو منطقي. كانت العاصمة دون المستوى المطلوب بكثير مقارنة مع محافظات كسنتياغو دي كوبا وغيرها، كان الوضع خطيراً بالفعل. إذ لم تكن هناك إجازات للمعلمين، كانت قد انتهت في عاصمتنا إجازات معلمي المرحلة الابتدائية.

بعد عشر سنوات من الفترة الخاصة والندرة الكبيرة بالموارد، كان الوضع العمراني للمدارس حرجاً كذلك. كان الآباء ينصحون أبنائهم بألا يدرسوا ليكونوا معلمي مرحلة ابتدائية؛ عندما كان خريجو المدارس الثانوية العديدة للتعليم ينجزون عامهم الدراسي ويُسألون عما يريدون دراسته، كان كل واحد يختار المادة التي تعجبه، غير أن تعليم المرحلة الابتدائية كان من يختاره أقل من 5 بين كل مائة؛ وبقية الطلاب كان يختارون دراسة اختصاصات أخرى كالتاريخ ورياضيات وأدب وجغرافية، إلى ما هنالك، إي حوالي 12 أو 14 اختصاصاً مختلفاً، إلا اختصاص "الإجازة في تعليم المرحلة الابتدائية".

لم يكن ذلك يلبي الحاجة، جميع تلاميذ الكلية التعليمية للتأهيل كانوا يقدمون المساعدة في المدارس التكميلية التي كان بإمكانها فقط أن تعتمد على دعم المراكز التعليمية العالية، وكذلك على تعاون العديد من الطلبة الجامعيين لتعليم مادة أو أخرى، وذلك انطلاقاً من فكرة نشأت قبل سنتين بالكاد.

كانت الإجازات قد تحولت إلى أسطورة، فكان من المستحيل التفكير ببرنامج دراسي في وقت يغيب فيه أستاذ أو اثنان أو ثلاثة أحياناً، أو يكون على أستاذ أن يعطي حصصاً لأربع مجموعات تتكون كل واحدة منها من أربعين أو خمسين تلميذاً أقول أربعة، لأنها في بعض الأحيان كانت تصل إلى خمسة أو ستة-، وأعرف مديرة مدرسة ممتازة كانت في بعض الفترات تدرّس حصص تاريخ لثلاث عشرة مجموعة في مدرستها.

إن هذا موضوع هام، لأنها المهمة التي ستتحدانا عندما نكسب هذه المعركة التي كسبناها تقريباً، وهي المعركة التي نشرع بخوضها الآن بالنسبة للمرحلة الابتدائية. معركة اليوم هي معركة تأهيل الآلاف من معلمي المرحلة الابتدائية لعاصمة الجمهورية وتزويدهم بالمعارف الملائمة وبالشكل المناسب، بل والعاجل أيضاً، هو تقليص عدد تلاميذ الصف الواحد إلى ما لا يزيد عن 20. لقد تم تناول هذه المشكلة في الأول من أيلول/سبتمبر، قبل سنة واحدة بالكاد، وتم طرح إمكانية حلها في شهر أيلول/سبتمبر من العام 2002. فبدت الفكرة أمراً مستحيلاً.

جرى بحث المشكلة جيداً، وتمت زيارة 8080 معلماً من معلمي المرحلة الابتدائية الأبطال ممن حافظوا، إلى جانب المعلمين الجدد القليلين الذين كان يتخرجون، على تعليم المرحلة الابتدائية في عاصمتنا على امتداد الفترة الخاصة.

كما قلت، كانت المباني في وضع مريع، وبالقدر الذي كان يجري التعمق في البحث، كانت تبرز الحاجة للتحرك ببرنامج طارئ لإصلاح 659 مدرسة ابتدائية وتكميلية في العاصمة. كنا نتوقع أن تحتاج هذه المهمة الأخيرة لثلاث سنوات على الأقل؛ ولكن بعد أشهر قليلة من الشروع بها تم افتتاح المدرسة رقم 100، وحتى حينها كنا نظن بأن الأمر سيحتاج لسنتين أخريين. حيث سيتم عاجلاً افتتاح المدرسة رقم 200، وذلك في ذات الوقت الذي تخضع فيه أكثر من 100 مدرسة لعملية ترميم كامل خلال هذه الفترة.

لا ينبغي علي تبديد الوقت بالحديث عن هذه التفاصيل، حيث ستكون هناك لحظة أخرى لذلك عند افتتاح المدرسة رقم 200. المهم أنه في شهر أيلول/سبتمبر من العام المقبل ستكون ال‍ 659 مدرسة مرممة بالكامل، كما لم يسبق لها أن كانت عليه من قبل، لا قبل الفترة الخاصة ولا في أي فترة أخرى، لأن جميعها ستكون متعافية ومصلحة، وجميع مشكلات المياه فيها محلولة، أي مياه الصرف. كان عند الكثير منها مشاكل كبيرة، فبعضها لم تكن تصل إليه المياه، وكان وضع المراحيض فيها معقداً؛ ولم يكن يعمل فيها أي جهاز تبريد عملياً. على كل حال، لا أريد التكرار؛ كل ثقل الفترة الخاصة وما عانيناه من شحائح نزل على مدارسنا وكان يستلزم الأمر القيام بجهد استثنائي.

أتجرأ اليوم على أن أقول لكم هنا بأنه في شهر أيلول/سبتمبر المقبل ستكون ال‍ 659 مدرسة جاهزة. أنه عمل جاد، ولكن كل هذا الذي جرى تنفيذه بتواضع كبير، كان تصحبه جهود لتوفير قدرات لعشرين ألف شاب طالب في هذه وفي غيرها من المحافظات؛ قدرات من أجل التمتع، على سبيل المثال، بجميع معلمي المرحلة الابتدائية؛ قدرات لتأهيل 7000 عامل اجتماعي بين الدورات الهامة-؛ وإعداد عدد الأساتذة الذين سيعلمون الكمبيوتر لجميع تلاميذ المرحلة الابتدائية؛ إذ أن الذين كانوا سيقومون بذلك في المرحلة التكميلية كان قد بدأ تحضيرهم قبل اللحظة التي تم فيها اتخاذ قرار إدخال تعليم الكمبيوتر اعتباراً من الخامسة من العمر؛ أي من مرحلة الروضة حيث استلزم اتخاذ هذا القرار تفكيرا عميقا.

هناك مدارس أخرى هامة جداً لا أذكرها بالاسم، هناك جهد عملاق وصامت يبذل بقليل جداً من الدعاية أو بلا شيء منها، وفقا لأسلوب العمل الجديد، لنقل إنه القيام بالوعود القليلة والأعمال الكثيرة أي افتتاح المنشآت. حيث يجري في بعض الأحيان افتتاح مدرسة واحدة باسم 15، كما هو حال مدرسة معلمي الفنون التي تم افتتاحها في سانتا كلارا، في لحظة كانت جميع تلك المدارس في البلاد، بعدد من التلاميذ يبلغ 400، قد بدأت عملها.

إنها كبيرة الجهود التي بُذلت خلال هذه الفترة من معركة الأفكار، أي في هذه المرحلة النضالية التي بدأت قبل أكثر من 21 شهراً مع اختطاف الطفل إليان غونزاليز. إنها المعلومات الرئيسية.

إنها كبيرة فضيلة العمال. كثيرون منهم جاءوا من محافظات أخرى، من الشرق، ومن كاماغوي، ومن كل مكان. لقد عملوا بلا هدنة؛ وصنعوا الأشياء بأقصى درجة ممكنة من الجودة، مع أننا نعرف جميعاً بأنه عندما يُنجز أي مشروع سيتم استخدامه على الفور، لأنه لا يمكننا إضاعة الوقت، يحتاج الأمر دائماً لإجراء بعض الإصلاحات له: أنبوب ما لم يحتمل، أو سطح ما قد يعاني من تسرّب، ولكن إزاء ذلك تم العمل بمبدأ إيجاد الحل الفوري لأي تفصيل صغير، أو تسرب أو مشكلة في حال ظهورها في أية مدرسة. لقد تم رسم ذلك وتنفيذه على هذا النحو.

ربما يحدث أنه في المدرسة وأنا أعرف أنهم يصنعون بعض الأمور وعليهم أن يجروا بعض الترميمات، نتيجة الأمطار الغزيرة التي هطلت ولأنهم قد أنجزوها للتو، ولم يكن بوسعنا تأخير العام الدراسي حسناً، لقد خسرنا بضعة أيام، خسرنا سبعة أيام؛ ولكن تلاميذ كثيرين أصبحوا في المدرسة، والمشكلات التي يمكنها أن تظهر، يجب ألا تفقد صبره أحد، فعدد كبير من العمال سوف يبقى هناك من أجل معالجة كل التفاصيل التي يمكنها أن تظهر، في هذه المدرسة وفي كل المدارس الأخرى؛ لأن هذه المدرسة تفتتح اليوم أقول هذه لأنني أتصور بأننا نتواجد هناك- ويتم افتتاح مدرسة أخرى لتحضير ألف ممرضة عاجلا، فلدينا عجز أيضاً في عدد الممرضات في عاصمتنا، يجب حلّه.. وحلّه كما يجب.

إن مهمة الممرضات هي مهمة قاسية، وخاصة عندما يحتاج الأمر لإجراء مناوبة في ساعات الفجر.

ماذا تعني هذه المدارس؟ ماذا يعني هذا العام الدراسي؟ أنه إذا جمعنا العامين الدراسيين لمدرسة "ميلينا" يشكلان نموذجين فوق العاديين للتعليم، لأن عدد الطلاب الملتحقين بكل عام دراسي بلغ 501 ولم تحدث حالة فرار واحدة، لا في العام الدراسي الأول ولا في الثاني. وإذا حصل أنه في العام الدراسي الأول لم يتمكن طالبان من جمع كل المعارف والخبرة الضرورية للنجاح، فإن الجميع قد نجحوا في العالم الدراسي الثاني. فاكتسبت المدرسة شهرة ومكانة كبيرتين، درجة أن كل الناس يريدون اليوم الذهاب إلى تلك المدرسة، فاضطر الحال هذه المرة لوضع المزيد من الأسرّة فيها وقبول بضعة تلاميذ آخرين، حيث لم يكن هناك طريقة إنسانية تسمح بعدم قبول مجموعة إضافية من ثمانية أو تسعة يريدون أن يدرسوا هناك.

المناهج التي تستخدم مع الشبان هي برأيي المناهج الأصح: التحدث إليهم والمناقشة معهم والإصغاء إليهم والعناية بمشكلاتهم ومحاولة تلبية احتياجاتهم، وفي كثير من الأحيان رغباتهم، عندما الإمكان بذلك. لأن كل واحدة من هذه الدورات الجديدة والمتنوعة، نظراً لمحتواها، تجعلهم جميعاً يستحقون إمكانية البدء بالعمل تحت إرشاد مجازة بالتعليم الابتدائي ذات خبرة واسعة، هذا إذا كان الأمر يتعلق بمعلم؛ أما إذا كان يتعلق بممرضة، فتجعلها تستحق العمل تحت إرشاد مجازة بالتمريض.

سيتمتع كل واحد من هؤلاء الشبان بإرشاد أستاذ ذي كرسي، حسب ما يتعلق به الأمر، وبتسجيل أوتوماتيكي بالجامعة، وفرصة لاختيار واحد من بين ثمانية أو تسعة أو عشرة أو خمس عشرة اختصاص جامعي مختلف. تُفتح أمامهم إمكانيات فعلية، ولكن يتم في ذات الوقت تهذيبهم على الوعي الذي يجب أن يتمتع به الشاب عن ماهية احتياجات البلاد وكيف أن الكثير منها، ومن ضمن قائمة متنوعة من الإمكانيات، يمكنه أن يغري الشاب نفسه، بما يعتمد على ما يحظى به من اتصال وتكيف مع هذه المادة. فأنا أرى كثيرين من الشبان الذين كانوا يفكرون بدراسة شيء آخر، من بين الشبان الذين لم يكونوا يفكروا باختيار اختصاص تعليم المرحلة الابتدائية، غير أنه نما بشكل هائل عدد الذين اختاروا هذا الاختصاص الأخير نهائياً.

في المناقشات المطولة التي جرت في السادس من الجاري تم البحث مطولاً في ما إذا كان الالتزام بخمس سنوات التزاماً كافياً، وقد أجرينا تعديلات، ولكننا لم نتراجع عن الوفاء بكلمتنا. إذا كان لا بد من إجراء تغيير، فإننا سنقوم به حيال الطلاب الجدد الذين يلتحقون، لأنه في الحقيقة، وبما أن عدداً من هؤلاء الطلاب سيختار على كل حال من بين الخيارات التي أمامه، تصبح مدة الخمس سنوات مدة قصيرة؛ ولكننا لن نطلب، ولا حتى سنقبل طلاب السنتين الأوليين من دورات المعلمين الذين يلتزمون بثماني سنوات، لأننا قلنا بأنها خمس سنوات وهكذا ستكون.

طبعاً، يجب أن تكون الدراسة مكثفة، لأنه إذا اختاروا أي اختصاص آخر مما يمكنهم اختياره اعتباراً من شهر أيلول/سبتمبر هذا نفسه وقد تسجل كثيرون-، فإن ذلك يحتاج لجهد خاص، ذلك أنهم إذا كانوا يدرسون علم النفس، على سبيل المثال، من واجبهم أن يواصلوا اكتساب عدد من المعارف في اختصاص التعليم، لمدة ثلاث سنوات على الأقل؛ وأن يتمتعوا بجميع الفرص التي يتمتع بها ** خاص وسيكونون ممارسين للتعليم، ويجب أن يكون عندهم في كل يوم مزيداً من الخبرة ومن المعارف.

لقد أصبحت منظمة الشباب تعمل معكم كي تلتزموا لمدة ثلاث سنوات إضافية، أي على مدى ثماني سنوات، بغض النظر عن الاختصاص الذي تفضلون اختياره. إذن أنكم ستعلّمون بالمحصلة لمدة ثماني سنوات، ستكونون متخرجين، بل وفي الاختصاص الذي اخترتموه، وإذا أردتم يمكن لكم أن تواصلوا الارتقاء به وصولاً إلى الماجستير، وما تشاؤون، وأنتم تعلمون لمدة ثلاث سنوات أخرى؛ أي ثماني سنوات بدلاً من خمسة، وهي المدة التي نرى بأنها ضرورية من أجل تحقيق ما نودّ تحقيقه.

أعرف أن هناك إرادة رائعة، ولكن كل التزام نقطعه مع شاب نفي به، وكل أفق نعرضه عليه نقدمه له؛ الجدية والوفاء للكلمة المقطوعة هما مسألة شرف. وهو منهاج يجب علينا استخدامه دائماً، لأننا نطلب تعاوناً في بعض الأحيان لمدة 20 يوماً ثم نقول فيما بعد: يحتاج الأمر لخمسة أيام أخرى، ثم خمسة.

قبل بضعة أسابيع قام أكثر من خمسة آلاف طالب، منظمين في "فصائل اجتماعية للعمل الاجتماعي" بزيارة جميع عائلات العاصمة تقريباً لإجراء استفتاء للرأي حول مواضيع اجتماعية وهامة بالنسبة للتجمعات السكانية، تمتد من المستشفى والصيدلية والمدرسة، وحتى إمكانية طرح أي موضوع آخر. لم يتم حتى الكلام عن هذا؛ ولكنهم قاموا بعمل ممتاز، ما فوق العادي، وهكذا جرى العمل في مهام أخرى كثيرة، لأنه لا يتوفر لدينا بعد ما يكفي من العمال الاجتماعيين. لا يتوفر لدينا الآلاف، بل ومن الأفضل القول عشرات الآلاف الذين نحتاجهم، ولن أشرح ذلك الآن، لأن كل شيء في حينه وعندما يسمح الوقت بذلك.

لقد رأينا في الشباب قوة وحماساً والتزاماً وروحاً لم يسبق لنا أن رأينا من قبل.

بالنسبة لكم، أنتم الطلاب، الثلاثة آلاف و500 كان هناك رقمين، أحدهما 3500 والآخر 3599، إنها فوارق صغيرة يمكن تبريرها بالنسبة لمدرسة-، سيكون هذا العام الدراسي، وفق ما هو مبرمج لدينا حتى الآن، آخر عام دراسي لتأهيل معلمين ناشئين، كما اتفق على تسميته. لقد انعكست نوعيته في السادس من هذا الشهر، يوم بدء السنة الدراسية، لأن العديد من أساتذة التأهيل الناشئ، ورداً على التخوف من ألا تكون عندهم القدرة الكافية على تنفيذ المهمة، أو عما إذا كان هناك شك حول نيتهم على تنفيذ واجباتهم كطلاب وكمعلمين، تحدثوا ببلاغة أعتقد بأنني لم أعهدها من قبل عند أشخاص بهذا الشباب. لا بد من إعادة ذلك إلى الدورات التي تلقوها، وإلى المستوى الثقافي والسياسي الأرقى الذي عند مواطنينا، وإلى الكثير الذي تعلموه خلال الواحد وعشرين شهراً من معارك الأفكار.

إنه لمذهل ومن شبه المستحيل تصور ما سيكون عليه هؤلاء الشبان، بهذا العمر نفسه وبهذا المستوى التعليمي نفسه في المستقبل بوجود الأشياء التي ها قد بدأ تنفيذها بشكل واسع في كل أنحاء البلاد، فكل غرفة صف في هذه العاصمة سيكون فيها جهاز تلفزيون؛ وهناك ثلاث بلديات كاملة من بلديات العاصمة، بلديات فقيرة، بلديات عمال، في غالبيتها: دييس دي أكتوبري (10 أكتوبر) وأرّويو نارانخو وسان ميغيل ديل بادرون، قد أصبحت تتمتع بالكمبيوتر. باقي البلديات ستحتاج لمزيد من الوقت، لأنه سيتواجد الآن في البلديات المذكورة 149 أستاذاً من نوادي الشباب قدموا من محافظات مختلفة؛ ولكن هناك 1250 شاباً آخذين بالاستعداد وسيتلقون حوالي 800 ساعة من الحصص الدراسية، حوالي ثلاثة أضعاف ما يحتاجونه، ولكن ما يهمنا هو الالتزام والوعي اللذين يكتسبونهما في المدرسة، وهم لن يكونوا جاهزين حتى شهر آذار/مارس. في الأول من آذار/مارس سيكون عندنا هؤلاء الشباب الأساتذة، الذين يتمتعون بحماس كبير ويمكنهم لاحقاً دراسة واحد من ثلاثة اختصاصات تختلف عن المعلوماتية. ولهذا السبب ستكون هافانا آخر مدينة تغطي دراسة الكمبيوتر مائة بالمائة من تلاميذ مرحلتها الابتدائية.

توجد حول هذا الموضوع أفكار كثيرة وبرامج كثيرة وخطط كثيرة، مصحوبة بمستوى من التعليم والتحضير على نحو من الرقي لا يقبل المقارنة، تدعمها كل الوسائل الفنية الأحدث، ستحول بلدنا، في مجال التعليم الابتدائي والتكميلي والمتوسط، في مجالات متعددة، إلى البلد الأكثر تقدماً في العالم في حقل التعليم، والتعليم هو كل شيء. التعليم هو المستقبل.

وفيما بعد، حين يتكلل هذا العام الدراسي، سوف ننفذ خططاً واسعة جداً تأتي بالقفزة الأخرى، وهي القفزة التي يجب القيام بها في التعليم التكميلي، وسيتواجد في المدرسة التي أعدنا افتتاحها اليوم 4500 طالب، أي قدرتها الاستيعابية كاملة.

في هذه العملية كان لنا امتياز الدخول في اتصال مع عدد لا يصدّق من الأشخاص ذوى المعارف الواسعة وأصحاب المواهب والملزمين والوطنيين، الذين يساعدون أياً كان في شرح ما جعل هذا البلد يقاوم أكثر من أربعين سنة من الحصار، وخاصة الكيفية التي قاوم بها هذا البلد بكل بطولة وبكل شرف وبكل وطنية السنوات العشر المريعة من الفترة الخاصة التي أخذنا بهزمها، مع أنها لم تُهزم كلياً بعد.

إنه لمن المدهش والمحفز رؤية ما بالإمكان فعله وما سيستطيع شعبنا فعله في المستقبل، وما هو عاكف على فعله، ليس فقط في مجال التعليم، وإنما كذلك في مجال الثقافة، وفي المجال الاجتماعي، عبر تطوير أساليب وتأهيل مهنيين للقيام بأعمال هائلة مازال القيام بها لازما في هذا المجال.

أُنهي هنا الجزء المتعلق بكوبا. لقد حاولت أن أكون وجيزاً، فأنا مضطر لاستخدام ما تبقى من الوقت للتحدث عن الوضع الدولي الذي نشأ في الساعات الأخيرة.

إن هذا اليوم هو يوم مأساة بالنسبة للولايات المتحدة. إنكم تعرفون جيداً بأننا لم نزرع هنا أبدا الحقد على الشعب الأمريكي. ربما تكون كوبا، بسبب ثقافتها بالذات وبسبب عدم وجود عقد عندها، حيث تشعر بالحرية الكاملة، إذ تحظى بوطنها ولا سيد لها، البلد الذي يتم التعامل فيه بأكبر احترام مع المواطنين الأمريكيين. لم نزرع أبداً أي نوع من الأحقاد القومية، ولا ما يشبه التعصب من الأمور، ولهذا نبلغ كل ما نبلغه من القوة، لأننا نقيم سلوكنا على أساس مبادئ وأفكار، ونتعامل باحترام كبير مع كل مواطن أمريكي يزور بلدنا وهم يتنبهون لذلك.

بالإضافة لذلك، نحن لا ننسى الشعب الأمريكي الذي وضع حداً لحرب فيتنام بمعارضته الهائلة لحرب الإبادة تلك؛ ولا ننسى الشعب الأمريكي الذي دعم بنسبة تزيد عن الثمانين بالمائة عودة إليان إلى وطننا (تصفيق)؛ ولا ننسى كم لديهم فكر مثالي عكّر صفوه الخداع في كثير من الأحيان، لأنه وكما ذكرنا مرات كثيرة- ليساند مواطن أمريكي قضية ظالمة أو حرباً ظالمة، عليك أولاً أن تخدعه، والأسلوب الكلاسيكي المتبع في السياسة الدولية لهذا البلد العملاق هو أسلوب الخداع أولاً، لكي تتمتع هذه السياسة لاحقاً بدعم المواطنين. وعندما يحدث العكس ويكتشف شعبها بأن شيئاً ما هو مجحف، يعترض بحكم فكره على ذلك الشيء الذي كان يؤيده، وتكون في كثير من الأحيان قضايا ظالمة، على قناعة منه بأن ما كان يؤيده هو محق.

ولهذا فإننا نحن الذين لا نعرف العدد الدقيق، ولكننا رأينا مشاهد مذهلة من العذاب ومن الضحايا المحتملين- شعرنا بألم عميق وحزن تجاه الشعب الأمريكي، وفاء منا للخط الذي اتبعناه دائماً.

نحن لا نداهن حكومات، ولا نطلب اعتذارات ولا صدقات، ولا تكن صدورنا ولا حتى ذرة من الخوف. لقد أثبت تاريخ الثورة كم هي قادرة على التحدي، وكم هي قادرة على الكفاح، وكم هي قادرة على مقاومة ما عليها مقاومته، وهو أمر حوّلنا إلى شعب لا يهزم. هذه هي مبادئنا، ثورة تقوم على أساس أفكار، على أساس الإقناع وليس على أساس القوة. آمل ألا يبقى مجنون واحد في العالم يقدر على القول بأن مليون و200 ألف مواطن مشوا في مسيرة على هذا الكورنيش، في السادس والعشرين من تموز/يوليو مجبرين، بالقوة.

ردة فعلنا هي ردة الفعل التي ذكرتها، وأردنا أن يرى شعبنا المشاهد ويتأمل المأساة. ولم نتردد في التعبير جهراً عن شعورنا. فها هنا بين يدي بيان تم تسليمه للصحافة الدولية في حوالي الساعة الثالثة عصراً، وتمت صياغته حالما وردت الأنباء عن الأحداث؛ في هذه الأثناء كانت محطاتنا التلفزيونية منهمكة في نشر الأحداث. سيتم نقلها لشعبنا في النشرة الإخبارية التلفزيونية المسائية.

أستبق بضع دقائق لأطلعكم على "البيان الرسمي للحكومة الكوبية" حول الأحداث التي وقعت في الولايات المتحدة.

"تلقت حكومة جمهورية كوبا بألم وحزن الأنباء الواردة عن الهجمات العنيفة والمفاجئة التي تعرضت لها منشآت مدنية ورسمية في مدينة نيويورك وواشنطن وذهب ضحيتها كثيرون.

"إنه لمعروف موقف كوبا ضد كل عمل إرهابي". وتاريخنا يثبت ذلك، ويعرفه تماماً جميع المطلعين على تاريخ نضالاتنا الثورية. "لا يمكن النسيان بأن شعبنا قد ذهب على مدى أكثر من أربعين سنة ضحية أعمال كهذه يتم تشجيعها والوقوف وراؤها انطلاقاً من الولايات المتحدة نفسها.

"لأسباب تاريخية ومبادئ أخلاقية على حد سواء، تشجب حكومة بلدنا وتدين بشدة الهجمات المرتكبة ضد المنشآت المذكورة وتعبر عن تعازيها الصادقة للشعب الأمريكي للخسائر البشرية المؤلمة التي لا مبرر لها والناجمة عن تلك الهجمات.

في هذه اللحظة المريرة، يتضامن شعبنا مع الشعب الأمريكي ويعبر له عن استعداده الكامل، وبقدر ما تسمح له به إمكانياته المتواضعة، للتعاون مع المؤسسات الصحية أو أي مؤسسة أخرى ذات طابع طبي أو إنساني في هذا البلد من أجل العناية بضحايا الأحداث التي وقعت صباح اليوم ومعالجتهم وإنعاشهم".(تصفيق)

ولم نفعل هذا بالعلن فحسب، بل أننا نقلناه عبر القنوات الرسمية في ساعات العصر، خاصة عندما بدأت تظهر أعداد مذهلة من الضحايا المحتملين وعلمنا بأن المستشفيات قد امتلأت بالجرحى.

مع أنه لا يُعرف إن كان عدد الضحايا 5 آلاف أو 10 آلاف أو 15 ألفاً، أو 20 ألفاً، من المعروف أن الطائرات التي اصطدمت بالبرجين أو بالبنتاغون كان يسافر مئات الركاب، وعرضنا ما نستطيع تقديمه إن كان الأمر يحتاج لذلك.

إن هذا البلد يتمتع بتطور علمي وطبي كبير وبموارد؛ ولكن هناك لحظات يمكن أن يحتاج فيها الأمر لدم من فئة ما، أو للبلازما وأي منتج آخر نستطيع نحن أن نتبرع به من شأننا أن نقدمه بطيبة خاطر-، أو لدعم طبي، أو لطاقم طبي مساعد، لأننا نعرف بأن هناك مستشفيات كثيرة تعاني من عجز في فنيين أو مهنيين معينين. على كل حال، ما أردناه هو التعبير عن موقفنا واستعدادنا حيال هذه الأحداث المأساوية.

لكل هذا سوابق، لأنني ذكرت لكم بأننا كنا قد تحملنا أربعين سنة من الإرهاب؛ بل وأكثر من ذلك، نشرنا بأننا أبلغنا حكومة الولايات المتحدة في مناسبات معينة بمخاطر كبيرة تحدق بأرواح مواطنين أمريكيين. لدي هنا مثال، إنها صفحة وربع الصفحة.

في الأيام التالية للاعتداءات على فنادقنا من قبل المافيا الإرهابية التي تتخذ من فلوريداً مقراً لها، والتي كانت تخطط وتمول الاعتداءات الإرهابية ضد كوبا، على غرار عشرات الخطط لاغتيالي في المرات التي اضطررت فيها للسفر إلى الخارج، كانت تلك المجموعة، وعلى رأسها بوسادا كارّيليس الهمجي، الذي كنا قد ألقينا القبض على عدد من المتواطئين معه من المرتزقة الأجانب عند دخولهم إلى الأراضي الوطنية ومعهم الوسائل اللازمة، كانت تزمع استخدام الطريقة المتطورة في القنابل التي يضعونها في الفنادق أو في أماكن يرتاد إليها السائحون الأجانب بازدحام، كمطعم "لا بوديغيتا ديل ميديو"، إنها قنابل يمكنها أن تنفجر حتى بعد 99 ساعة من موعد نصبها من أجل الاعتداء على طائرات. وكان بوسعهم أن يسافروا، ويضعوا القنبلة في الطائرة، وقضاء ثلاثة أيام في متعة الاحتفال والعودة إلى بلدهم قبل أن تنفجر هذه القنبلة. هناك حالة المرتزق السلفادوري الذي خطط ووضع خمسة قنابل في فنادق وأماكن عامة من العاصمة من أجل تفجيرها جميعاً بشكل متزامن تقريباً، الواحدة تلو الأخرى. لاحظوا إلى أي حد وصل الأمر.

اتصلنا أكثر من مرة عبر سبل سرية مع حكومة الولايات المتحدة، ولدي هنا واحدة من الرسائل السرية وجهناها للذي كان رئيساً للبلاد في تلك اللحظة رسائل عبر الطرق السرية، لن نذكر كيف أوصلناها، من خلال أشخاص محل الثقة الكاملة كانت لهم صداقة معنا ومعه، شرحنا لهم بدقة ما أردنا منهم أن يبلغوهم إياه-؛ لقد سبق أن استخدمنا جزءاً من هذه المادة، ولكنني سأذكر مثالاً حرفياً:

"قضية هامة.

"أولاً: ما تزال مخططات القيام بنشاط إرهابي ضد كوبا قائمة، يمولها المجمع الوطني الكوبي-الأمريكي وذلك من خلال استخدام مرتزقة من أمريكا الوسطى. لقد تم تنفيذ محاولتين جديدتين حتى الآن لتفجير قنابل في مراكزنا السياحية، قبل زيارة البابا وبعدها.

"تمكن الفاعلون في الحالة الأولى من الفرار، وذلك بعودتهم جواً إلى أمريكا الوسطى دون أن يتمكنوا من تحقيق غايتهم، فتركوا الوسائل الفنية والمتفجرات، والتي صودرت.

"في المحاولة الثانية جرى اعتقال ثلاثة مرتزقة، وعُثر بحوزتهم على المتفجرات وباقي الوسائل؛ إنهم يحملون الجنسية الغواتيمالية. كانوا سيقبضون 1500 دولار مقابل انفجار كل واحدة من القنابل الأربع التي كان ينبغي تفجيرها" كانت للمعتقلين الأربعة الأوائل، وليس للذي وضع أكبر عدد من القنابل.

"في كلتا الحالتين تم التعاقد معهم وتزويد حاجياتهم من قبل عملاء الشبكة التي أقامها المجمع الوطني الكوبي-الأمريكي؛ إنهم يخططون الآن ويشرعون القيام بخطوات من أجل تفجير قنابل في طائرات شركات الخطوط الجوية الكوبية أو شركات أخرى تقوم برحلات إلى كوبا، من التي تجلب أو تحمل سائحين من وإلى بلدان أمريكية لاتينية.

الأسلوب هو نفسه: وضع عبوة صغيرة الحجم في مكان خفي من الطائرة، بحيث تكون المادة المتفجرة عالية القدرة، مزودة بصاعق يتم التحكم به بواسطة ساعة رقمية يمكن برمجتها سلفا لمدة تصل حتى 99 ساعة، ومغادرة الطائرة بشكل طبيعي في مكان الوصول؛ يحدث الانفجار على الأرض في أثناء الرحلة اللاحقة. إنها أساليب شيطانية بالفعل: آليات يسهل نصبها ومركباتها من شبه المستحيل اكتشافها، يحتاج المرء تدريبا قصيرا جدا على استخدامها، وتضمن عدم المعاقبة، إنها بالغة الخطورة بالنسبة لشركات الخطوط الجوية والمنشآت السياحية أو غيرها؛ إنها أدوات يمكن استخدامها لارتكاب جرائم وجنايات خطيرة جداً.

لو حصل أن نُشرت هذه الإمكانيات وكُشف النقاب عنها.." لقد كنا نعترض نحن على نشر التكنولوجيا التي يستخدمونها- "..يمكنها أن تتحول إلى وباء، كما حدث في أوقات أخرى مع اختطاف الطائرات. لقد بدأت تتحرك مجموعة أخرى متطرفة من أصل كوبي، تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، بهذا الاتجاه.

إذا ما أرادت وكالات الشرطة والتجسس الأمريكية فعلاً إجهاض هذا الشكل الجديد من أشكال الإرهاب في الوقت المناسب، فإن لديها معلومات كافية ومن مصادر موثوقة عن المسؤولين الرئيسيين عنها؛ فمن المستحيل وضع حد لها إذا لم تلتزم الولايات المتحدة بواجبها الأساسي بمحاربتها. لا يمكن ترك مسؤولية فعل ذلك لكوبا وحدها، ففي القريب العاجل يمكن لأي بلد في العالم أن يتحول إلى ضحية لهذه الأعمال".

لقد أبلغنا ذلك، وأولوا الأمر اهتماماً، لدرجة أنهم استشارونا حول الملاءمة في توجيه رسالة من الحكومة الأمريكية لشركات الطيران.

وجهوا نصاً أبلغوا فيه شركات الطيران ما يلي:

"لقد تلقينا معلومات لم يتم تأكيدها بعد عن وجود مؤامرة لوضع عبوات متفجرة على متن طائرات مدنية تعمل في كوبا وبلدان أمريكية لاتينية. الأشخاص المضطلعون في العملية يزمعون وضع عبوة متفجرة صغيرة على متن"، إلى ما هنالك، أي أنهم يشرحون ما كنّا قد أبلغناهم به.

"لا نستطيع أن نستبعد إمكانية أن يشمل التهديد رحلات شحن جوي دولي من الولايات المتحدة.

"تواصل حكومة الولايات المتحدة البحث عن معلومات إضافية من أجل التحقيق بهذا التهديد والتأكد منه أو دحضه".

عبّرنا لهم عن اعتراضنا على نشر هذا الإخطار، لأن أحد الأهداف التي كان هؤلاء الأشخاص يتوخونها هو زرع الذعر، وذكرنا لهم بأن هناك إجراءات أخرى كالتي نستخدمها نحن: وضعنا حراسة ملائمة حيثما يكون خطر وضع إحدى هذه القنابل واردا، وأجرينا تفتيشاً، وكنا نعرف من هم الذين بوسعهم وضعها ومن هم المتورطون في المخططات. كنا نقوم بالمراقبة، وهو ما يجب فعله إذا لم نكن نريد زرع الذعر أو خلق فضيحة أو منح الفاعلين فرصة تحقيق الهدف الذي يبتغون وهو إلحاق الأذى باقتصاد البلاد وزرع الذعر.

على كل الأحوال نشروا هذا النبأ. حسناً، كنا نحن قد عززنا بشكل كبير من آليات القبض على الأفراد ولم يتمكنوا منذ ذلك الحين من وضع أي قنبلة أخرى، وما زالت الحراسة قائمة حيثما يستلزم الأمر. عندما همّوا بارتكاب محاولة الاغتيال هناك في بنما، كنا نعرف عما كانوا يخططون له أكثر مما كانوا يعرفونه هم أنفسهم. هذا الأمر واضح جداً.

هاهي مافيا ميامي تبذل الجهود في سبيل إطلاق سراح الإرهابيين الذين فوجئوا بالجرم المشهود واعتقلوا في بنما. أصبحت لديهم خطط عن كيفية فعل ذلك، وعن طريق أي بلد ينقلونهم وكيفية القيام بذلك، حيث يتمارضون هناك ويتحركون من مكان إلى آخر؛ إنهم يستقبلون زيارات من ميامي بحرية، بل وأنهم شاركوا في إرسال تسلل مسلح إلى كوبا قبل بضعة أشهر عن طريق سانتا كلارا.

بفضل أصدقاء كثيرين لدينا في كل مكان وبفضل رجال كهؤلاء (يقصد الوطنيين الكوبيين السجناء في ميامي بسبب جمعهم معلومات عن خطط إرهابية ضد كوبا) دافعت البلاد عن نفسها من هذا الإرهاب (تصفيق).

أذكر ذلك لأن هناك حقيقة، لدي هنا مزيد من الأوراق والملاحظات، وقد وجهنا نحن في بعض الأحيان رسائل شفوية، وتركنا أحياناً إثباتاً كتابياً، وأحد الأدلة التي استخدمناها هو دليل لا يُدحض: الولايات المتحدة هي البلد الذي يوجد فيه أكبر عدد من المجموعات المتطرفة المنظَّمة وأربعمائة منها هي مجموعات مسلحة.

إن عمليات خطف الطائرات، وهو أسلوب تم اختراعه لاستخدامه ضد كوبا، تحولت إلى وباء دولي، وكانت كوبا هي التي حلّت هذه المشكلة في نهاية المطاف بعدما نبهت إلى ذلك عدة مرات، فأعدنا للولايات المتحدة خاطفَين اثنين. إنه أمر مؤلم، كانا مواطنَين كوبيين، ولكننا كنا قد حذرنا، وهما أتيا وأعدناهما، فأوفينا لكلمتنا المقطوعة؛ ولكنهم لم يعطونا أبداً، ولا حتى في وقت لاحق، خبراً عنهما لذويهما. إن لهم طريقتهم بالتصرف. لا أحد يعلم. أعرف بأنهم حكموا عليهما بالسجن لمدة أربعين سنة، وهذا ما وضع حداً لعمليات خطف الطائرات.

ولكن، لديهم هناك 800 مجموعة متطرفة. لقد أغلقوا الباب على أنفسهم في بعض الأحيان في مكان ما لسبب من الأسباب وأحرقوا أنفسهم وماتوا جميعاً؛ إنها مجموعات تميل لسبب ما، أحيانا لأسباب سياسية، وفي بعض الأحيان لأسباب دينية، تميل لاستخدام العنف، تميل إلى استخدام القوة أو لإعداد السموم، أو منتجات من أجل التحرك ضد السلطات الأمريكية نفسها. أنا لا أتكلم عن أناس من المافيا، وإنما أتكلم عن مئات المجموعات المتطرفة المنظَّمة والتي تتحرك داخل أراضي الولايات المتحدة. قبل مدة ليست بطويلة قاموا بتفجير مبنى أوكلاهوما ذلك.

إن البلد الأكثر هشاشة أمام الإرهاب هو الولايات المتحدة، البلد صاحب أكبر عدد من الطائرات، وأوفر الموارد الفنية، والخطوط الكهربائية وأنابيب الغاز، إلى آخره، إلى آخره. وعناصر كثيرون من هذه المجموعات هم فاشيون، لا يهمهم أن يقتلوا؛ لا بد وأنهم من الناحية العقلية هم أقرب من الجنون بكثير من الذكاء المتوازن. لقد قلنا للسلطات الأمريكية: يجب منع هذه الأساليب من الانتشار استعملنا هذه الحجة-، فمن السهل استخدامها، إنها تشكل خطراً عليكم.

في هذه اللحظة عينها، عندما وصلتُ أنا إلى هنا، لم يكن هناك من عنصر عقلاني واحد يسمح بتأكيد هوية من وضع هذه القنابل، لأنه يمكن لخيوط هذا العمل أن تكون قد حيكت ونُفِّذت من قبل إحدى هذه المجموعات، التي سبق وفعلت ذلك، كما في أوكلاهوما، أو ربما تكون مجموعات من الخارج؛ ولكن من الواضح، وبالنظر إلى التفاصيل التي وصلتنا، بأنه قد تم تنظيم هذا العمل بفاعلية وحذاقة كبيرين؛ لنقُل على وجه كافٍ من التنظيم والمزامنة، إنها من خواص أناس مطلعين، يتمتعون بتأهيل، ولديهم الطيارين القادرين على قيادة طائرات البوينغ هائلة الحجم، فنسقوا بدقة المواعيد التي سيتحركون فيها، وبدون شك، خطفوا الطائرة من الخط الجوي الذي كانوا يسافرون على متنه، وكان عندهم الطيارون القادرون على قيادة هذه الطائرات إلى برج أو إلى أهداف أخرى مباشرة، وبعد دقائق قليلة من اصطدام الأولى جاءت الأخرى، وفي ذات الوقت تقريباً كانت هناك طائرة أخرى متجهة إلى البنتاغون.

أي أنهم أناس أصحاب مستوى معين من التأهيل الفني والتنظيم، وليس من الضروري أن يكونوا من مجموعات كبيرة؛ لا أحد يعرف الضرر الذي يمكن أن تلحقه مجموعات صغيرة، مكونة من 20، 25 أو 30 شخصاً زُرعت فيهم روح التعصب، أو هم على التزام بأفكار معينة، والمكان الذي يمكنها أن تلحق فيه الضرر الأكبر هو الولايات المتحدة. يظهر بوضوح أنه قد دُرس الموعد الذي يتواجد فيه أكبر عدد من الناس في المكاتب، حوالي التاسعة صباحاً، والضرر الذي يمكنه أن ينزل، وما يمكن تكبيده من آلاف الضحايا.

في الحقيقة أنه سيكون عليهم في هذه اللحظات أن يبحثوا عن أدلة، عن دليل ما، لأن لهذا الحدث مزاياه الخاصة. ولهذا يأتي القول بأن أهم واجب أمام قادة الولايات المتحدة، برأيي، هو مكافحة الإرهاب، وهذه المآسي هي في جزء منها محصلة اللجوء إلى تطبيق مناهج إرهابية، في حال كوبا على مدى سنوات كثيرة، وفي حال بلدان أخرى؛ لأنها نشرت فكرة الإرهاب، وليس هناك من قوة في العالم، مهما بلغت، تستطيع اليوم منع أحداث من هذا النوع، لأنه ينفذها أشخاص متعصبون، أشخاص لا يأبهون أبداً للموت. وعليه فإن مكافحة هذه الأساليب لأمر صعب.

يمكن الخروج بفكرة من كل ذلك: لا يمكن حل أي من مشكلات العالم الراهنة بالقوة، ليس هناك من قوة شاملة، ولا قوة تكنولوجية، ولا قوة عسكرية تستطيع ضمان الحصانة الكاملة من هذه الأعمال، لأنه بوسعها أن تكون أعمال مجموعات محدودة الحجم، يصعب اكتشافها، وأكثر ما في الأمر تعقيداً هو أنه ينفذها عناصر انتحاريون. وعليه فإن الجهد العام من جانب الأسرة الدولية من أجل وضع حد لسلسلة من النزاعات التي يشهدها العالم، هو أقل ما يجب فعله في هذا المجال؛ وضع حد للإرهاب العالمي (تصفيق)، وخلق وعي عالمي ضد الإرهاب. وأتحدث إليهم باسم بلد عاش أكثر من أربعين سنة من الثورة واكتسب خبرة واسعة، إنه بلد موحد لديه مستوى رفيع من الثقافة؛ ليس بشعب من المتعصبين، ولم يزرع التعصب، وإنما يزرع أفكاراً وقناعات ومبادئ.

من شأننا أن نكون في ظروف أفضل للدفاع عن أنفسنا، وقد أثبتنا ذلك، إذ كم من روح سَلِمت من الموت مقابل كل الأموال وكل الموارد التي تذهب لزرع الإرهاب في وطننا! لقد عشنا أربعين سنة من التجربة، أننا في جاهزية لاتقاء هذه الأعمال تبلغ عشرة أضعاف ما عليه حتى الولايات المتحدة نفسها.

إنه لمن الهام جداً معرفة ما ستكون عليه ردة فعل الولايات المتحدة. ربما تأتي أيام خطيرة بالنسبة للعالم، إني لا أتكلم عن كوبا. فكوبا هي البلد الأكثر طمأنينة وهدوء نفس في العالم، لأسباب مختلفة: لسبب سياستنا، ولسبب أشكال كفاحنا، ولسبب عقيدتنا، ولسبب خلقيتنا، وبالإضافة إلى ذلك، أيتها الرفيقات والرفاق، لسبب الغياب الكامل للخوف من نفوسنا.

لا شيء يحرك لنا جفن عين، ولا شيء يخيفنا. من الصعب جداً اختراع أي افتراء ضد كوبا، فلن يصدق ذلك لا الذي قد يخترعه ولا الذي يتبناه، إنه لمن الصعب جداً؛ وكوبا ليست اليوم أي شيء في هذا العالم (تصفيق)، فهي صاحبة موقف أخلاقي كبير جداً وموقف سياسي وطيد جداً. لا تخطر ببالي هذه الفكرة، مع أن أحد حمقاء المافيا طلع ليرى كيف يدسّ، وأعتقد أنه ذكر حتى فنزويلا وكوبا، إنه ثرثار دنيء من بين كثيرين من أمثاله في المافيا. لن يعيره أحد ولا أدنى اعتبار؛ ولكن سيكون هناك وضع من التوترات والمخاطر، يعتمد على الطريقة التي تتصرف بها حكومة الولايات المتحدة.

سوف تكون الأيام المقبلة أياماً متوترة في الولايات المتحدة وخارجها، وسيبدأ سماع آراء عدد لا يحصى من الناس.

كلما تحدث مأساة كهذه، مهما بلغت صعوبة تفاديها في بعض الأحيان، لا أجد سبيلاً آخر، وإذا ما كان مسموحاً طرح اقتراح على العدو مرة وهو عدو شديد معنا منذ سنوات كثيرة، ولكنه يعرف بأننا أشداء، ويعلم بأننا نقاوم، ويعلم بأننا لسنا أغبياء، وربما يكون عنده حتى شيء من الاحترام تجاه بلدنا-، تكثر المشكلات في أماكن كثيرة، ولكن إذا كان صائباً في ظرف ما اقتراح شيء على العدو، بما فيه الخير للشعب الأمريكي واستناداً منّي للحجج التي ذكرتها، فأقترح على الذين يقودون الإمبراطورية الجبارة بأن يتحلوا برباطة جأش وهدوء نفس، وألا ينجروا وراء نشوات غضب أو حقد، وألا يشرعوا باصطياد أناس عبر إلقاء القنابل في كل حدب وصوب.

أؤكد بأن أياً من مشكلات العالم، ولا مشكلة الإرهاب، يمكن حلها بالقوة، وكل عمل يجري باستخدام القوة، وكل عمل أحمق في استخدام القوة، في أي مكان، من شأنه أن يفاقم مشكلات العالم على نحو خطير.

ليس الطريق طريق القوة والحرب. وأقول ذلك هنا من منطلق السلطة التي تمنحني إياها حقيقة كوني قد تكلمت دائماً بنزاهة، وامتلاكي قناعات صلبة وخبرة أكسبني إياها عيش سنوات النضال التي عاشتها كوبا. يمكن للعقل فقط، وللسياسة الذكية في البحث عن قوة الإجماع والرأي العام العالمي أن يقطع آرب المشكلة. أعتقد بأن هذا العمل الذي لم يسبق له مثيل أبداً يجب أن يخدم لبلورة المكافحة الدولية للإرهاب؛ ولكن المكافحة الدولية للإرهاب لا تتم بالقضاء على إرهابي هنا وآخر هناك؛ وبالقتل هنا والقتل هناك باستخدام أساليب متشابهة وعبر التضحية بأرواح بريئة. وإنما يتم حل المشكلة عبر وسائل من بينها وضع حد لإرهاب الدولة وغيره من أشكال القتل المدانة (تصفيق)، وبوضع حد لأعمال الإبادة، عبر اتباع سياسة سلام واحترام وفية للأعراف الأخلاقية والقانونية التي لا مفر منها. لا نجاة للعالم إذا لم يتبع سياسة سلام وتعاون دولي.

لا يتصورنّ أحد بأننا نسعى لشراء طن من أي شيء كان في سوق الولايات المتحدة. لقد أثبتنا بأننا نستطيع البقاء والعيش والتقدم، وكل ما يتم مشاهدته اليوم هو تعبير عن تقدم لا يوازيه تقدم في التاريخ (تصفيق). لا يُحرَز التقدم عبر إنتاج السيارات فقط، يتم التقدم عبر تطوير القدرات الذكية، وتلقين المعارف، وخلق الثقافة، والعناية بالكائنات البشرية كما يجب العناية بهم، هذا هو سر القوة الهائلة التي تتمتع بها ثورتنا.

لا خلاص للعالم عبر سبل أخرى، وأنا أخص بالذكر في هذه الحالة أوضاع العنف. فليتم إحلال السلام في كل مكان من أجل حماية جميع الشعوب من وباء الإرهاب هذا الذي هو أحد الأوبئة (تصفيق)، لأنه يوجد اليوم وباء آخر مريع اسمه "آيدز"، على سبيل المثال، هناك وباء آخر يقتل عشرات الملايين من الأطفال والفتية والأشخاص في العالم جوعاً ومرضاً وبسبب فقدان العناية الطبية والأدوية.

توجد في الحقل السياسي أفكار استبدادية، أفكار وحيدة تجري محاولة فرضها على العالم، وتشجع التمرد والهيجان في كل مكان.

لا خلاص لهذا العالم وليس لهذا علاقة بالإرهاب- إذا ما تواصل تطوير أو تطبيق هذا النظام الاقتصادي والاجتماعي الظالم الذي يؤدي بالعالم إلى الكارثة، إلى طريق لن يستطيع ال‍ 6200 مليون الإفلات منه ولا الأبناء المستقبليين للسكان الذين يعيشون فوق هذا الكوكب اليوم، والذي يتعرض لدمار أكبر يوماً بعد يوم ويسير بخطى أكثر تسارعاً نحو الفقر والبطالة والجوع واليأس. تثبت ذلك الجماهير في أماكن مختلفة أصبحت تاريخية: سياتل، كيبيك، واشنطن، جنوه.

لم يعد بوسع أقوى زعماء الاقتصاد والسياسة العالمية أن يجتمعوا تقريباً؛ فقد أصبح يقل قدر الخوف عند الناس يوماً بعد يوم، إنهم يتمردون، وهو ما يمكن ملاحظته في كل مكان. تواجدت أنا للتو في دوربان وشاهدت هناك آلاف الأشخاص التابعين لمنظمات غير حكومية؛ إن الاستياء في العالم ينمو كرغوة الصابون.

بما أنني تحدثت عن أحد الأوبئة، من العدل أن أشير إلى وباء آخر، وزعماء البلدان، أصحاب النفوذ الأكبر، ملزمون بالبحث عن حلول لوضع يزداد في هذه اللحظات خطورة يوماً بعد يوم. هناك أزمة اقتصادية جادة أصبحت تصيب كل الكرة الأرضية؛ إنها تصيب الولايات المتحدة بشكل كبير، وأوروبا واليابان والبلدان الصناعية في جنوب شرق آسيا، باستثناء وحيد تقريباً هو الصين، التي حافظت في إطار إصلاحاتها الاقتصادية على طرق توزيع تمنع حدوث الجوع في البلد صاحب أكبر عدد من السكان على وجه البسيطة ولا يتمتع إلا ب‍ِ 5 بالمائة من المساحة الزراعية في العالم، مثبتاً بأن العالم ما زالت أمامه إمكانية للخلاص.

إن الأزمة عميقة. إنها أنباء نقرأها كل يوم عما يحدث في سوق الأسهم، وما يحدث مع تقلبات أسعار العملات، وارتفاع نسبة البطالة، وتقلص النمو، الذي لا ينجو منه أحد عملياً، غير الاستثناء المذكور، وربما يكون هناك استثناء آخر، لظروف خاصة جداً.

إنها عميقة؛ حيث يمكن أن يصل بها الأمر لأن تكون أسوأ من أزمة عام 1929، لأنه يتم التمادي في المضاربة أكثر من عام 29، وتم توفير ثروات لا نهاية لها ولكنها مصطنعة، وتم نفخ أسهم البورصات، درجة أنه كان هناك من استثمر 1000 دولار في سهم واحد أو في عدة أسهم، وخلال ثماني أو تسع سنوات أصبحت قيمة هذه الأسهم ذاتها 800 ألف، إنه مال وهمي؛ والصناعات التي حققت أسهمها أكبر سرعة بالنمو فقدت نصف قيمتها حتى الآن.

نحن نلاحظ كيف أن المنظرين والمحللين يقومون باختراع أشياء؛ وصفات قديمة وجديدة من أجل وقف الأزمة ولا تنفع، يجدون مفاجآت جديدة وجديدة. لا يستطيع أحد أن يتكهن، ولكنني أؤكد لكم بأن الوضع معقد جداً بالنسبة للاقتصاد العالمي، بالنسبة للنيوليبرالية، وبالنسبة للعولمة النيوليرالية.

إن قوة الشركات العابرة للحدود تزداد يوماً بعد يوم، إنها أكثر استقلالية، فهي تفعل ما تشاء، بل وأن قوة الحكومات هي أكثر ضعفاً يوماً بعد يوم في منافستها مع هذه الشركات ومقاومتها.

إنكم لا تتصورون كم تبدل الوضع خلال أربعة أشهر فقط، منذ الفصل الأخير من السنة الماضية وحتى هذا الشهر. وخلال هذه السنة حصلت فترات ساعدت الريح فيها السفينة الأوروبية؛ لكن الرياح توقفت، فلم تعد تهب لصالح أوروبا، أصبح هناك هدوء، بل وعلى الأصح تراجعات بفعل تيار بحري ما.

الأمور التي تحدث في بلد كان بالغ القدرة على التطور، وكل ما فعله خلال عقود من الزمن تم وصفه بأنه معجزة، ألا وهو اليابان، يواجه في كل يوم عدداً أكبر من المشكلات.

لا يستطيع أحد أن يتكهن بكامل الدقة بما سيحدث وكيف سيحدث، لأنه مع أن الأحداث تجري بشكل رياضي تقريباً، فإن الاقتصاد ليس بعلمٍ دقيق؛ غير أن الاتجاهات واضحة ولا يمكن دحضها. إن أسعار المنتجات الأساسية هي في الحضيض والأوضاع الآخذة بالنشوء هي أكثر تعقيداً يوماً بعد يوم. إنهم يعرفون ذلك، ويعرف ذلك الأوروبيون وواضعو الاستراتيجية الاقتصادية عندهم.

في الأسابيع الأخيرة خفّضت الولايات المتحدة سعر الفائدة ستة أضعاف؛ وهذه هي إحدى الآليات التي يستخدمونها ليروا عما إذا كان هناك مزيد من الأموال فيشتري الناس المزيد من الأمور لكي تتمكن الصناعات من إنتاج المزيد؛ ولو كان ذلك عبر هدر الموارد.

إنه اقتصاد يحتاج لأن يزيد الناس من كبّ أموالهم حينا بعد حين لكي يحافظوا على بقائهم؛ ليس هو باقتصاد من أجل الإنسان، وإنما من أجل نفسه ومن أجل أصحاب الشركات الكبرى، ليس من أجل الشعوب.

بالنسبة لنا، نحن الذين علينا تناول كل هذه المشكلات يوميا، أي إذا ما ارتفع سعر النفط وإذا ما انخفض، إذا ما ازداد سعر السكر انخفاضاً؛ إنما نحن نحتاج لمعلومات يومية ومفصلة عمّا يحدث في العالم، فنرى ونتحقق من الوضع كل يوم.

سينعقد في القريب العاجل اجتماع هنا، في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، للعديد من المنظمات غير الحكومية وممثلين نقابيين من أجل التباحث حول "المنطقة الحرة للتجارة الخاصة بالأمريكتين" (ALCA). وفي شهر كانون الأول/ديسمبر سنعقد ما يسمى "منبر ساو باولو"، حيث يجتمع مئات من القادة السياسيين من أمريكا اللاتينية وممثلون عن منظمات هي أكثر جذرية يوماً بعد يوم. وفي شهر كانون الثاني/يناير سينعقد في "ريو غراندي ديل سور" منبر دولي ضد العولمة النيوليبرالية، سيشارك فيه عشرات الآلاف من الأشخاص. وكما هو معتاد في كل سنة، بعد انعقاد اجتماع ريو غراندي ديل سور هذا، سنعقد في شهر شباط/فبراير اجتماعنا السنوي لرجال اقتصاد قادمين من أصقاع مختلفة.

لدينا اتصالات مع أشخاص ذوي معارف واسعة، يعكسون ما تكلمت عنه من تذمر واستياء ويأس.

إن ما علينا أن نعمله هو الكثير، وسوف نعمل في الوضع المتميز الذي نعيشه اليوم، والذي سيتلقى فيه مواطنونا مليون جهاز تلفزيون ملوّن خلال 24 شهراً، حيث بدأ توزيعها، مع إعطاء الأولوية لأولئك الذين لا يملكون واحداً؛ وفي وضع يرتقي فيه برنامج "الجامعة للجميع"؛ وتعم فيه دراسة الكمبيوتر كما ذكرت. سترون كيف أنه في السنة القادمة يكون طفل ابن الصف الأول يعرف شيئاً عن الكمبيوتر، ولا أحد يجيد استخدام الماوس هذا أفضل من طفل ابن الخمسة أعوام، فيرسم ويجري حسابات ويشارك في ألعاب تربوية ويطوّر معارفه.

لقد كلمتكم عن هافانا. أما في كافة أنحاء البلاد، فكل غرفة صف ستحظى بجهاز تلفزيون وسيكون عند كل واحد من ألف تجمع بشري لا تصل إليها الكهرباء قاعة مجهزة بتلفاز قياس 29 بوصة وطبق شمسي يكفي للتزويد لمدة 10 ساعات يومياً يمكن الاستفادة خلالها من برامج "الجامعة للجميع" وأنباء رياضية وأخبار وطاولات مستديرة ومنابر مفتوحة، بكلفة لا تكاد تذكر، خاصة إذا ما قارنتها بالموارد الهائلة التي يتوجب على البلاد إنفاقها اليوم في استهلاك الطاقة، في شراء الطاقة، وهو سبب يجعلنا نعمل اليوم على نحو متسارع في مناطقنا النفطية ذاتها بحثاً عن مزيد من البترول والغاز.

إنها أكثر من ألف تجمع بشري! ولن يبق مواطن واحد دون أن إمكانية مشاهدة التلفزيون، عبر طاقة الشمس؛ ولن تبق مدرسة واحدة من المدارس ال‍ 1944 التي لا توجد فيها كهرباء بدون طبق شمسي إضافي، في هذه الحالة لجهاز الكمبيوتر. وليأتوا ليكلمونا عن العدالة هنا، نحن البلد القادر على أن يوفر لكل مدرسة، أكان عدد تلاميذها 20 أو 5 أو تلميذ واحد لأن هناك مدارس يوجد فيها تلميذ واحد-، معلماً وطبقين شمسيين وحصص تلفزيونية وعبر الكمبيوتر الذي ينفع لأمور كثيرة جداً، من بينها تعلم وحفظ المعلومات بفاعلية قصوى.

هناك أمر، على سبيل المثال، نحن على وجه كبير من السوء فيه: الإملاء، وهذا يعرفونه جميعهم هم، طلبة المستوى المتوسط، فعندما يجرون لهم امتحاناً يعرفون ذلك، وباحثونا في اختصاص التعليم قد طوروا برامج لحل مشكلة الإملاء، وذلك عبر قرص متراص يحتوي على جميع تفاصيل كيفية التخلص من الأخطاء الإملائية وكيفية تعلم الكتابة دون هذه الأخطاء.

عن أي عدالة يمكن الحديث في العالم، عن أي حرية، عن أي ديمقراطية، حيث لا يوجهون أبداً سؤالاً للمواطن، حيث يمكن بيع بلدٍ دون استشارة حتى الكونغرس أو يستطيع وزير رهنه لمدة 100 سنة دون استشارة مواطن واحد؟

كيف يمكن وجود ديمقراطية إذا لم توجد ثقافة، إذا لم يوجد تعليم؟ ولا تعتقدنّ أنتم بأن لدى البلدان الغنية مستوى عالي من التعليم؛ عند البلدان الغنية الكثير من الأموال، وما يزيد بقليل من المعارف عن بلدان العالم الثالث، التي يمكن لنسبة الأمية الفعلية فيها أن تصل إلى ما نسبته 20 أو 25 أو 30 بالمائة مقارنة بالبلدان الأخرى، حيث يعاني الكثير منها من مستويات مشابهة من الأمية الوظيفية، على غرار ما يمكن للحال أن يكون عليه بالنسبة لمواطن هنا بعد عشر سنوات، حتى ولو كان خريجاً جامعياً، إذا لم يتمتع بالثقافة العامة الشاملة التي نتكلم عنها والتي نعمل من أجلها، وها قد أصبحت نتائجها مرئية، مدهشة. إننا نقيس ذلك بالسنتيمتر، كما لو كان بالمسطرة، لأننا نتلقى في كل يوم آلاف الآراء التلقائية عن كل موضوع، ونقارن ما يقوله مواطن ما بعد 21 شهرا من بدء معركة الأفكار الكبرى مع اختطاف الطفل إليان، كما ذكرت. من سيخدعونهم، وفي أي مكان من العالم يمكن معرفة البرامج الاجتماعية التي نقوم بتطويرها بصرامة أكبر من أي وقت مضى والتي ستعني قفزة هائلة في الثورة؟

لقد أراد القدر، وأراد جيراننا في الشمال بحصارهم وجرائمهم ضد كوبا أن يتحول هذا الشعب إلى ما هو عليه، ما لم يكن يتأمله، وأقصد دوره النموذجي. أجل، كنموذج. فليرسلوا الفلاسفة الذين يشاءون، لنرى ما إذا كانوا يستطيعون المناقشة ويستطيعون الدفاع عن القول بأن كل هذه الكاريكاتورات المبدَعة من أجل استغلال الإنسان، من أجل إذلاله، من أجل تحويله إلى عدو لكل واحد غيره، هي مجتمعات أكثر عدلاً وأكثر حرية وأكثر ديمقراطية من المجتمع الذي أبدعه شعبنا بقدر بالغ من التضحية وبعد 132 سنة من الكفاح، منذ بدء كفاحه ضد المجتمع الاستعماري والعبودي. لا يستطيعون التنافس في شيء، إنهم عاجزون عن صنع عشرين بالمائة من الأمور التي نستطيع صنعها نحن، وهانحن نصنعها؛ لا يراودنّ الشك أحدا.

أدعوكم إلى الملاحظة، إلى إملاء الفكر. أدعو بشكل رئيسي الشبان لبذلهم الحد الأقصى من الاجتهاد، لأن يكونوا مثالاً، أدعو الذين يلتحقون بالمدارس الجديدة التي تم فتحها في هذه المرحلة، وهي مدارس ذات مزايا خاصة وتشكل الحصن الرئيسي لصنع ما نستطيع صنعه.

سنتابع عن كثب مسيرة دراسة واجتهاد الثلاثة آلاف وخمسمائة الذين يلتحقون اليوم بها.

حتى سكان هذا الحي هم سعداء هنا، لأن هذا المجمع الطبي، الذي كان خاصاً بالمدرسة ويعتني الآن ب‍ِ 26000 مواطن، لم يكن كثيرون منهم يعيشون هنا حين أقيمت المدرسة، وكان في ظروف كارثية، أصبح الآن وكأنه جديد ومخصص بشكل أساسي لأبناء الحي، لأن المدرسة ومعلموها وعمالها سيتمتعون بما اتفقنا في تسميته "عيادة رفيعة الجودة"، حيث يوجد حتى أشعة أكس وكل الأمور التي يمكنهم احتياجها (تصفيق). لقد أطلقنا عليها هذا الاسم، لا أدري إن كان سيتوجب عليهم أن يذهبوا يوماً إلى المجمع الطبي؛ وهناك أطباء مختارون من أجل مساعدة الشبان، الذين يعانون في كثير من الأحيان من مشكلات كثيرة دون أن يعرف أحد بها.

هيئة الأساتذة في المدرسة ممتازة؛ والمديرة فيها ونائبتها صاحبتا تجربة في الحياة (تصفيق)، لهما مكانة رفيعة، وهما على خبرة واسعة.

بودي لو أن ماريا تيريسا، التي كانت مديرة لمدرسة ميلينا، التي أصبحت مشهورة، والآن تقع على كاهلها مسؤولية ما يتعلق بتعليم ال‍ 3500 الذين يلتحقون اليوم، تجلس يوماً للكتابة وسرد الأسلوب الذي تمكنت من خلاله من عدم فرار تلميذ واحد من المجموعتين الأوليين ذوي ال‍ 501 طالب وبأعمارهم هذه.

إذا كان لا بد من قول شيء آخر، فهو دعوة الآباء للتعاون المستمر مع هذه المدارس حيث يتواجد أبناؤهم الذين ينتظرهم مستقبل لامع، بعمل كريم ومعارف لن يحظى بها باقي المهنيين في أصقاع أخرى.

تمثل أحد أسرار النجاح بتعاون الآباء، وما كان ليتم فعل أي شيء على الإطلاق في أي مجال بدون تعاون الآباء، ونعرف ما لهذا من تأثير حاسم.

وأنتم، الأمر الأكثر موضوعية الذي بإمكاني أن أقوله لكم هو أننا نحن، الذين عرفنا حقبات أخرى، يمكننا أن نشعر بالحسد تجاهكم. من شأني أن أقدم حياتي عشر مرات في سبيل أن أكون واحداً من الجالسين هناك (تصفيق).

الوطن أو الموت!

سننتصر!

(تصفيق حاد).