الخطاب الذي ألقاه رئيس جمهورية كوبا، فيدل كاسترو روس، في جلسة اختتام أعمال "المؤتمر الدولي من أجل التوازن العالمي"، تكريماً للذكرى الخمسين بعد المائة لولادة بطلنا الوطني خوسيه مارتيه، في التاسع والعشرين من كانون الثاني/يناير 2003.

 

حضرات المشاركين في "اللقاء الدولي من أجل التوازن العالمي" كتكريم للذكرى الخمسين بعد المائة لولادة خوسيه مارتيه.

حضرات المدعوين الأعزاء؛

يا أبناء وطننا؛

ماذا يعني مارتيه بالنسبة للكوبيين؟

حين لم يكن قد بلغ بعد الثمانية عشرة من العمر، أكد مارتيه في وثيقة تسمى "السجن السياسي في كوبا"، بعد تعرضه لسجن قاسٍ وهو في السادية عشرة، مقيداً بأغلال حديدية تكبِّل قدميه: "غير أن الله موجود في فكرة الخير، التي تسهر على ولادة كل كائن، وتترك دمعة طاهرة في الروح التي يجسدها. الخير هو الله. والدمعة هي مصدر الشعور الأبدي".

إن مارتيه بالنسبة لنا نحن الكوبيون، هو فكرة الخير التي وصفها هو.

نحن الذين استأنفنا في السادس والعشرين من تموز/يوليو 1953 الكفاح من أجل الاستقلال، وهو كفاح بدأ في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 1868، في الموعد الذي حلت فيه بالذات الذكرى المئوية لولادة مارتيه، كنّا قد استقينا منه هو، قبل أي شيء، المبادئ الأخلاقية والمعنوية التي لا يمكن بدونها ولا حتى التفكير بثورة. ومنه تلقينا كذلك الحسّ الوطني المُلهِم وما لا يمكن لأحد في العالم أن يعلّمنا إياه، وهو مفهوم بالغ السموّ للشرف والكرامة الإنسانية.

كان رجلاً ما فوق العادي واستثنائياً بالفعل. تحوّل مارتيه، وهو ابن رجل عسكري، وولد في عائلة أبواها إسبانيَّين، إلى نبيّ وصانع لاستقلال الأرض التي شهدت ولادته؛ مثقف وشاعر، ورغم أنه كان فتياً عندما بدأت الحرب الأولى، تمكن في وقت لاحق من كسب ودّ واحترام قادة عسكريين قدماء ومجرّبين ملأتهم تلك الحرب مجداً وعزة، كما كسب انضمامهم وطواعيتهم.

ومارتيه، العاشق المتحمّس للسلام والوحدة والتآلف بين أبناء البشر، لم يتردد في تنظيم وبدء الحرب العادلة والضرورية ضد الاستعمار والعبودية والظلم. كان دمه أول دم يسيل وروحه أوّل روح توهَب كرمز لا يمحى للغيرية والعطاء الشخصي. بعدما كان منسياً وغير معروف خلال سنوات كثيرة من قبل جزء كبير من الشعب الذي ناضل هو من أجل استقلاله، انبعثت من رماده، كطائر الفينيق، أفكارٌ خالدة جعلت شعباً برمته يخوض، بعد مرور حوالي قرن من الزمن على مصرعه، كفاحاً جباراً عنى مواجهة أكثر الخصوم جبروتاً عرفه بلد كبير أو صغير أبدا.

واليوم، مع الذكرى الخمسين بعد المائة لولادته، التي حلّت قبل ساعات من الآن، يكرّم مئات من المفكرين والمثقفين اللامعين من كل أرجاء العالم بمشاعر متحركة ما تستحقه حياته وإنجازه من عرفان.

عدا عن كوبا، ماذا تلقى العالم منه؟ مثال استثنائي كمبدع وكإنساني يستحق تذكّره على مدار القرون.

أن يتذكّره مَنْ ولماذا؟ نفس الذين يكافحون اليوم والذين سيكافحون في الغد من أجل ذات الأحلام والآمال بإنقاذ العالم، ولأن القدر شاء بأن ترى البشرية اليوم وتعي المخاطر التي أدركها هو وحذّر منها بنظرته الثاقبة وموهبته العبقرية.

يوم لقي مصرعه، في التاسع عشر من أيار/مايو 1895، إنما كان مارتيه يقدم قرباناً لحق جميع سكان الأرض بالحياة.

في الرسالة غير المنجزة التي أضحت شهيرة وكانت موجهة إلى صديقه الحميم مانويل ميركادو، والتي قطع مارتيه كتابته لها لكي يذهب إلى معركةٍ بدون أن يتمكن أحد من منعه من ذلك، كشف للتاريخ عن أكثر أفكاره حمّية، والتي بالرغم من شيوعها وتكرارها، لن أتردد في ذكرها هنا: "إنني أواجه في كل يوم خطر وهب حياتي من أجل بلدي ومن أجل واجبي، […] في منع الولايات المتحدة من التمدد، مع تحقق استقلال كوبا، على طول وعرض أمريكا، وأن تجثم، بهذه القوة الإضافية، فوق أراضي أمريكانا. كل ما فعلت حتى اليوم، وكل ما سأفعل، هو من أجل ذلك".

قبل ذلك بأسابيع قليلة، عندما وقّع بيان مونتكريستي في سانتو دومينغو إلى جانب الوطني الأمريكي اللاتيني النموذجي، مكسيمو غوميز، المتحدر من أصل دومينيكاني واختاره مارتيه قائداً عسكرياً للقوات الكوبية، قبيل توجّهه إلى كوبا، من بين الأفكار الكثيرة واللامعة التي كتبها مارتيه، يأتي شيء يبعث من الإعجاب قدراً يحوجني تكراره رغم خشيتي من بعث الملل: "إن حرب استقلال كوبا […] هي حدث ذو بعد إنساني كبير، وخدمة في وقتها تقدّمها البطولة الحكيمة لجزر الأنتيل لصمود الأمم الأمريكية ولمعاملتها العادلة، وكذلك للتوازن العالمي الذي ما زال مترنّحاً".

كم كان مبكّراً في كتابة هذه العبارة الأخيرة، التي تحوّلت إلى الموضوع الرئيسي لهذا اللقاء. ليس هناك من أمر أكثر ضرورة وأهمية من هذا التوازن البعيد والخيالي على ما يبدو.

بعد مرور مائة وست سنوات وأربعة أشهر ويومين على رسالة خوسيه مارتيه إلى مانويل ميركادو، ومائة وست سنوات وخمسة أشهر واثنين وعشرين يوماً على بيان مونتكريستي الذي وقّعه كل من مارتيه وغوميز، ذكر رئيس الولايات المتحدة في خطاب ألقاه في العشرين من أيلول/سبتمبر 2001 أمام كونغرس ذلك البلد العبارات التالية:

"سوف نستخدم أي سلاح حربي يستدعي الأمر استخدامه".

"لا ينبغي على البلاد أن تتوقع معركة واحدة، وإنما حملة مطوّلة، حملة لا توازيها حملة في تاريخنا".

"على كل بلد، أينما كان، أن يتخذ قراره الآن: إما هو معنا أو أنه مع الإرهاب".

"لقد طلبت من القوات المسلحة أن تكون على أهبة الاستعداد، وهناك سبباً لذلك: يقترب حلول موعد تحركنا، وأنتم سوف تشعرون بالفخر".

"إن هذا الصراع هو صراع الحضارة".

"إن إنجازات عصرنا وأمل جميع العصور يعتمدان علينا".

"لا نعرف أي طريق سيسلكه هذا النزاع، ولكننا نعرف ما ستكون عليه نهايته […] نعرف أن الله ليس محايداً ".

وفي خطاب ألقاه في الأول من حزيران/يونيو 2002، بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لتأسيس أكاديمية وست بوينت (West Point) العسكرية، من بين الأمور التي صرّح بها رئيس الولايات المتحدة:

"يستلزم أمننا أن نقوم بتحويل القوة العسكرية التي ستقودونها أنتم إلى قوة عسكرية من واجبها أن تكون جاهزة للهجوم فوراً في أي ركن مظلم من العالم، […] وأن نكون جاهزين للهجوم الوقائي عندما يحتاج الأمر للدفاع عن حريتنا والدفاع عن أرواحنا.

علينا أن نكتشف خلاياً إرهابية في ستين بلد أو أكثر.

[…]

سنرسل دبلوماسيين أينما استلزم الأمر، وسنرسلكم أنتم، جنودنا، حيثما كنتم ضروريين.

[…]

إننا أمام نزاع بين الخير والشر. […] نحن لا نخلق مشكلة وإنما نكشف مشكلة. وسنقود العالم في مكافحة المشكلة".

أتساءل أي أفكار كان بوسعها أن تجتاز ذكاء رجل عبقري كمارتيه، بسرعة الضوء، لتجرحه في أعمق أعماق قلبه اللامتناهي، لو أنه سمع هذه الكلمات في عالم يعيش فيه اليوم أكثر من 6400 مليون كائن بشري، ولسبب أو لآخر يشعر أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء على حد سواء بأن آمالهم بالبقاء مهدّدة.

تلك الكلمات لم يتفوّه بها مجنون من ركن مظلم في مستشفى للمجاذيب. إنما هي كلمات تقف وراءها عشرات الآلاف من الأسلحة النووية؛ وملايين القنابل والصواريخ المدمِّرة؛ وعشرات الآلاف من الصواريخ الدقيقة والموجّهة عن بعد؛ وآلاف القاذفات والطائرات الحربية، بطيارين أو بدونهم؛ وعشرات الأسراب والفصائل البحرية مع حاملات طائرات وغواصات مدفوعة نووياً أو تقليدياً؛ وقواعد عسكرية بإذن أو بدونه في جميع أركان العالم؛ وأقمار اصطناعية عسكرية تتجسس على كل كيلومتر مربع من الكوكب الأرضي؛ وأنظمة اتصال آمنة وتلقائية، قادرة على سحق أنظمة أيّ بلد؛ وإمكانية لالتقاط آلاف الملايين من المحادثات في آن واحد؛ وترسانات هائلة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية؛ وميزانيات للنفقات العسكرية تدنو قيمتها من الأربعمائة ألف مليون دولار، يمكن بها مواجهة وحل كثير من المشكلات الرئيسية في العالم. التهديدات المذكورة جاءت على لسان من يملك هذه الوسائل ويستطيع أن يأمر باستخدامها. الذريعة؟ هجوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الإرهابي الهمجي الذي كلّف أرواح الآلاف من الأمريكيين. العالم بأسره تضامن مع الشعب الأمريكي وأدان مستاءً الهجوم. وبدعم الرأي العام الجامع كان بالوسع مواجهة آفة الإرهاب من جميع الزوايا وكل التيارات السياسية والدينية.

كما طرحت كوبا، كان ينبغي أن تكون المعركة سياسية وأخلاقية بشكل أساسي، بما فيه مصلحة جميع شعوب العالم وبدعمها. المفاهيم الإرهابية الباطلة والمفتقدة للمصداقية ولا تحظى بدعم الشعوب والتي تلحق الأذى بأشخاص أبرياء، ويمارسها أفراد ومجموعات ومنظمات، بل ودولة أو حكومة ما، لم يكن بالوسع أن تخطر على بال أحد فكرة مواجهتها باستخدام إرهاب دولة كوني همجي وبإعلان القضاء المحتمل على شعوب كاملة حقاً لدولة عظمى، وذلك باستخدام حتى أسلحة نووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل.

في هذه اللحظة، التي يتم فيها إحياء الذكر الخمسين بعد المائة لولادة خوسيه مارتيه، الرجل الذي طرح، وربما للمرة الأولى في التاريخ، مفهوم التوازن العالمي، هناك حرب تنذر بالوقوع كمحصّله لأعظم خلل في المجال العسكري وُجد على وجه الأرض منذ الأزل. كان يوم أمس موعد انتهاء المهلة التي أعلنت أكبر قوة عظمى في العالم من خلالها حقها الفردي بإطلاق ترسانتها من أحدث الأسلحة على بلد آخر بإذن أو بدون إذن من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، المؤسسة التي أصبحت بحد ذاتها موضع شك بسبب وجود حق النقض، وهو حق حصري لخمسة بلدان هي دائمة العضوية، والتنكر الكامل للحق الديمقراطي الأساسي لباقي البلدان البالغ عددها نحو 200 ذات التمثيل في الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة.

لقد تم استخدام حق النقض بالذات من قبل الحكومة التي تعلن اليوم حقها بتجاوز هذا المجلس. قلّ ما استُخدم من قبل باقي البلدان الخمسة، فالتغيرات الجذرية في ميزات القوى العسكري بين أعضائه، والذي حدث خلال السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة، يجعل من المستحيل عملياً استخدام هذا الحق ضد رغبة ضد من هو ليس جباراً بفعل قوته العسكرية الساحقة فحسب، وإنما بفعل قوته الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية أيضاً.

الغالبية الساحقة من الرأي العام العالمي تعترض على هذه الحرب المعلنة. ولكن، الأهم هو أنه استناداً إلى استطلاعات للرأي أجريت مؤخراً، كان ما تصل نسبته حتى 65 بالمائة من الشعب الأمريكي يعترض على هذا الهجوم بدون موافقة مجلس الأمن. غير أن هذا لا يشكل عقبة يصعب تجاوزها؛ فبعدما تم إرسال القوات وأضحت جاهزة للتحرك، ونتيجة الحاجة لتجريب أحدث الأسلحة، إنه لقليل جداً احتمال عدم نشوب هذه الحرب إذا لم توافق سلطات المهدَّد بالفناء على جميع مطالب مهدديها.

لا يستطيع أحد أن يعرف أو يتكهن بما يمكن أن يحدث في أي حرب أو وضع مشابه. الأمر الوحيد الذي يمكن تأكيده هو أن التهديد بشن حرب على العراق قد أثقل وما يزال على الاقتصاد العالمي، الذي يعيش اليوم أزمة خطيرة وعميقة ساهمت، إلى جانب الانقلاب الفاشي على الحكومة البوليفارية في فنزويلا، وهي من أكبر مصدِّري النفط في العالم، في رفع أسعار هذا المنتج الحيوي إلى مستويات لا تستطيع أغلبية باقي البلدان تحمّلها، وخاصة البلدان الأفقر بينها، حتى قبل أن يدوي عيار واحد في العراق.

لقد أصبح رأياً شاملاً بأن الغاية من الحرب في العراق هي الاستيلاء على ثلث الاحتياط العالمي من النفط والغاز، الأمر الذي يبعث القلق الكبير عند جميع باقي البلدان المتقدمة تقريباً، كالبلدان الأوروبية، التي تستورد 80 بالمائة من الطاقة، خلافاً للولايات المتحدة، التي بالكاد تستورد في هذه اللحظة ما بين 20 و25 بالمائة من استهلاكها.

يوم أمس، الثامن والعشرون من كانون الثاني/يناير، صرح رئيس الولايات المتحدة أمام الكونغرس:

"ستطلب الولايات المتحدة من مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة أن يجتمع في الخامس من شباط/فبراير للنظر في الأحداث المتعلقة بتحديات العراق للعالم.

[...]

"سوف نجري مشاورات، على ألا يكون هناك سوء فهم من أي نوع. إذا لم ينزع صدام أسلحته بالكامل، من أجل أمن شعبنا وسلام العالم، سنتقدم حلفاً يتكفل بنزع سلاحه".

[...]

"وإذا ما أجبرونا على الذهاب إلى الحرب، سوف نقاتل بكل ما لدى قواتنا العسكرية من قدرة".

لا يتم ذكر كلمة واحدة عن موافقة مجلس الأمن المسبقة.

إذا ما تركنا النتائج المريعة لنشوب حرب في تلك المنطقة، يمكن للقوة العظمى الوحيدة أن تفرضها على حرية اختيارها، فإن اختلال التوازن الذي يعانيه اليوم العالم في المجال الاقتصادي يشكل أيضاً مأساة هائلة.

تنمو وتتعمق الفوارق المتعلقة بالبلدان الغنية والبلدان الفقيرة، فيما بينها وفي داخلها، أي أن الهوة تتسع في توزيع الثروة، وهذه أسوأ جائحة في عصرنا، بما ينجم عنها من فقر وجوع وجهل وأمراض وألم وعذاب لا يحتملها أبناء البشر.

لماذا لا نتجرأ على القول بأنه لا يمكن وجود ديمقراطية وحرية خيار ولا حرية فعلية وسط فوارق مريعة وجهل وأمية كاملة أو وظيفية، وغياب المعارف وغياب مذهل للثقافة السياسية والاقتصادية والعلمية والفنية التي لا يمكن الوصول إليها إلا من قبل أقليات قليلة، بما في ذلك داخل البلدان المتقدمة، وما دام يغزو العالم ما قيمته مليون مليون دولار من الدعاية التجارية والاستهلاكية، التي تسمّ الجماهير برغبات حالمة وأمنيات لا يمكن تحقيقها، تؤدي إلى التبذير والفساد وإلى تدمير الشروط الطبيعية لحياة الإنسان بلا رحمة؟ خلال قرن ونصف القرن أو أقل سنستنزف موارد الطاقة والاحتياط الأكيد والمحتمل، والتي ربما احتاجت الطبيعة لثلاثمائة مليون سنة لتكوينها، بدون أن تكون هناك ولا حتى بارقة أمل بوجود بديل ممكن.

ماذا تعرف الجماهير عن المشكلات الاقتصادية المعقدة التي يعانيها عالم اليوم؟ من علّمها ما هو عليه صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، منظمة التجارة العالمية، وغيرها من المنظمات المشابهة؟ من شرح لها الأزمة الاقتصادية وأسبابها ومترتباتها؟ من قال لها بأن الرأسمالية وحرية التجارة والتنافس الحر بالكاد باتت موجودة، وأن الخمسمائة شركة كبرى العابرة للحدود تسيطر على ثمانين بالمائة من الإنتاج والتجارة العالميين؟ من علّمها حرفاً عن بورصة العملات والمضاربة المتزايدة بالسلع التي تعتمد عليها بلدان العالم الثالث وببيع وشراء العملات التي تصل قيمتها اليوم إلى مليون مليون دولار يومياً؟ من علّمها بأن عملات العالم الثالث هي أوراق تفقد باستمرار قيمتها وأن احتياطها من الأموال الفعلية أو شبه الفعلية يفرّ بلا رحمة إلى أغنى البلدان، كقانون نيوتون الفيزيائي، وعواقب هذا الواقع المادية والاجتماعية المريعة؟ أو لماذا نحن ندين بملايين الملايين من الدولارات غير القابلة للتسديد ولا للقبض، في حين يقتل الجوع والأمراض القابلة للعلاج عشرات الملايين من الأشخاص سنوياً، بمن فيهم أطفال من صفر إلى خمس سنوات؟ كم يبلغ عدد الذين يعرفون بأن سيادة الدول بالكاد بات لها وجود، وذلك بفضل معاهدات ليس لنا نحن بلدان العالم الثالث أي مشاركة فيها، والتي نخضع بموجبها إلى مزيد من الاستغلال والقهر يوماً بعد يوم؟ كم يبلغ عدد الذين يعون بأن ثقافاتنا الوطنية تتعرض لدمار أكبر يوماً بعد يوم؟

من شأن المتابعة في طرح الأسئلة ألا تنتهي. يكفي سؤال آخر إضافي لأولئك الذين يعيشون من النفاق والكذب حول أقدس حقوق أبناء البشر والشعوب والإنسانية نفسها بمجملها: لماذا لا يتم إقامة نصب حي للحقيقة الرائعة والعميقة التي يحتويها قول مارتيه المأثور: "أن تكون مثقفاً هو السبيل الوحيد لأن تكون حراً"؟

أؤكد ذلك باسم شعب قاوم بصمود خلال أربعة عقود من الزمن، وذلك في ظل حصار صارم وحرب اقتصادية لا ترحم، أضيف إليها فقدان مجموع السوق والتجارة والتزويد الخارجي تقريباً عندما تفكك المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، ويشكل اليوم واحداً من أكثر الشعوب وحدة، وتطوراً اجتماعياً وامتلاكاً للمعارف الأساسية والثقافة السياسية والفنية بين كل شعوب العالم.

إن كنا عرفنا أن نكرّم بشيء بطلنا، الذي نحيي اليوم ذكرى مولده الخصب، إنما هو بمعرفة الإثبات أن بلداً صغيراً وفقيراً، بالرغم من ارتكاب الكثير من أخطاء التعلّم، يمكنه فعل الكثير بواسطة القليل جداً.

أكبر نصب يصنعه الكوبيون تكريماً لذكراه هو معرفتهم بناء هذا الخندق والدفاع عنه، لكي لا يستطيع أحد أن يجثم بقوة أخرى إضافية فوق شعوب القارة الأمريكية والعالم.

منه تعلّمنا القيمة اللامتناهية للأفكار وقوتها.

إن النظام الاقتصادي الذي تفرضه القوة العظمى المجاورة في الشمال على البشرية هو نظام غير قابل للديمومة وغير قابل للتحمل. وأحدث الأسلحة لا تنفع شيئاً في منع مجرى التاريخ.

الذين وفّروا على مدى قرون من الزمن ويوفّرون فائض قيمة ويد عاملة رخيصة يبلغون اليوم آلاف الملايين. لا يمكن إفناءهم كالذباب. إنهم هم يكتسبون في كل يوم مزيداً من الوعي للمظالم التي يذهبون ضحيتها كأبناء بشر من خلال الجوع والعذاب والذل، أكثر مما يتعلّمونه من خلال المدارس والتعليم اللذين يمنعوهم منهما وفوق اعتبار الأكاذيب المهترئة التي يحاول بها احتكار وسائل الإعلام العامة واستخدامها والتمادي بها الإبقاء عليهم في حالة من القهر الأبدي والمستحيل. لقد تعلّموا دروساً بليغة عهدها حديث جداً كإيران وإندونيسيا والإكوادور والأرجنتين. فبدون إطلاق عيار واحد وحتى بدون أسلحة تستطيع الجماهير أن تجرف حكومات.

هم أقل يوماً بعد اليوم الجنود المستعدون لإطلاق النار وهدر دم أبناء وطنهم. لا يمكن حكم العالم بجندي أجنبي يحمل بندقية وخوذة وحربة في كل مصنع، وفي كل مدرسة، وفي كل متنزّه، وفي كل تجمع سكاني كان صغيراً أم كبيرا.

هناك عدد متزايد من المفكرين والعمال المتعلّمين والمهنيين وأفراد الطبقات المتوسطة في البلدان المتقدمة الذين يلتحقون بالنضال من أجل إنقاذ البشرية من حروب لا ترحم ضد الشعوب وضد الطبيعة.

لقد ثبت على مدى التاريخ بأن الأزمات الكبرى ولّدت الحلول الكبرى، وفي هذه الأزمات ومنها نشأ القادة.

لا يعتقدن أحد بأن الأفراد يصنعون التاريخ. العوامل الذاتية تؤثر، فبإصاباتها تعجِّل وبعيوبها وأخطائها تؤخِّر العمليات التاريخية، ولكنها لا تحدِّد المحصّلة النهائية. ولا حتّى رجل بالغ العبقرية كمارتيه –كما يمكن القول بوليفار، سيوكري، خواريز، لينكولن وغيرهم كثيرين محل الإعجاب مثلهم- كان للتاريخ أن يعرفهم لو وُلدوا قبل ثلاثين سنة أو بعد ثلاثين سنة، على سبيل المثال.

في حال كوبا، لو أن بطلنا الوطني ولد في عام 1823 وبلغ الثلاثين من العمر في عام 1853، وسط مجتمع عبودي وإلحاقي صاحب مساحات هائلة من المزارع وجمع غفير من العبيد، وبدون أن يتوفر بعد الحس القومي والوطني الذي صنعه الأبطال المجيدون الذين بدأوا أول حرب استقلالية لنا في عام 1868، لما أمكنه أن يلعب الدور العظيم الذي لعبه في تاريخ وطننا.

ولهذا اعتقد على نحو راسخ بأن المعركة الكبرى سيتم خوضها في حقل الأفكار وليس في حقل السلاح، ولو بدون التخلي عن استخدام هذا في حالات كحال بلدنا أو بلد آخر في ظروف مماثلة إذا ما فُرضت علينا حرب، لأن كل قوة، كل سلاح، كل استراتيجية وكل تكتيك له طرح مضاد ينم عن ذكاء الذين يكافحون من أجل قضية عادلة وعن وعيهم الذي لا ينضب.

في الشعب الأمريكي نفسه، الذي لم ننظر إليه أبداً كعدو ولا حمّلناه ذنب التهديدات والاعتداءات التي عانيناها على مدى أكثر من أربعين سنة، يمكننا أن نرى فيه، واعتباراً من جذوره الأخلاقية، صديقاً وحليفاً كامناً للقضايا العادلة للبشرية. لقد سبق وشاهدناه عندما وقعت حرب فيتنام. وشاهدناه في أمر مسّنا على درجة من القرب كخطف الطفل إليان غونزاليز. وشاهدناه في دعمه لنضال مارتين لوثير كينغ. وشاهدناه في سياتل وفي كيبيك، إلى جانب كنديين وأمريكيين لاتينيين وأوروبيين في مواجهة العولمة النيوليبرالية. وها قد بدأنا نشاهده في معارضته لحرب لا لزوم لها، ولو بدون موافقة مجلس الأمن. سنشاهده غداً إلى جانب باقي شعوب العالم يدافع عن السبيل الوحيد الذي يمكنه حماية الجنس البشري من الأعمال المجنونة التي يرتكبها أبناء البشر ذاتهم.

إن كنت أتجرأ على اقتراح شيء على الزائرين المرموقين المجتمعين هنا، إنما هو ما أرى بأنهم عاكفون على فعله. ومع ذلك، وعلى حساب خطر إتعابكم، أسمح لنفسي بالتكرار والتأكيد: في وجه الأسلحة الحديثة والمدمِّرة التي يريدون بها إرعابنا وإخضاعنا لنظام اقتصادي واجتماعي عالمي ظالم وغير عقلاني وغير قابل للديمومة: زرع الأفكار!، زرع الأفكار! وزرع الأفكار! زرع الوعي!، زرع الوعي! وزرع الوعي!

شكراً جزيلاً.