تأملات الرفيق فيدل

الأزمة الغذائية الحادة

قبل أحد عشر يوماً من اليوم، كتبت تحت عنوان "آن الأوان لفعل شيء":

"أسوأ ما في الأمر هو أن الحلول ستعتمد إلى حد كبير على أغنى البلدان وأكثرها تقدماً، والتي ستصل إلى وضع لا تتوفر لديها الظروف في الواقع لمواجهته من دون أن ينهار أمام ناظرها العالم الذي سعت لتكييفه [...]

أنا لا أحكي الآن عن الحروب، التي تحدث عن مخاطرها ونتائجها أشخاص حكماء ولامعون، بمن فيهم أشخاص أمريكيون.

أقصد أزمة المواد الغذائية الناجمة عن وقائع اقتصادية وتغيرات مناخية أصبحت على ما يبدو غير قابلة للتصويب، وذلك نتيجة فعل الإنسان، ولكن من واجب العقل البشري على كل حال أن يواجهها على عجل.

[...] المشكلات تبلورت اليوم فجأة، من خلال الظواهر التي يتكرر حدوثها في جميع القارات: درجات حرارة مرتفعة، حرائق في الغابات، فقدان محاصيل زراعية في روسيا، [...] تغيّر مناخي في الصين، [...]فقدان تدريجي للاحتياط من المياه في هملايا، مما يهدد الهند والصين وباكستان وغيرها من البلدان؛ أمطار متمادية في أستراليا، أغرقت نحو مليون كيلومتر مربّع؛ موجات برد غير معهودة وخارج موسمها في أوروبا، [...]جفاف في كندا؛ موجات غير معهودة من البرد في هذا البلد وفي الولايات المتحدة...".

ذكرتُ كذلك الأمطار غير المسبوقة في كل من كولومبيا وفنزويلا والبرازيل.

نقلتُ في ذلك "التأمل" أن "إنتاج القمح والصويا والذرة والأرز وغيرها من الحبوب والقرنيّات، التي تشكل الغذاء الأساسي في العالم الذي يصل عدد سكانه اليوم حسب بعض التقديرات إلى نحو ستة آلاف و900 مليون نسمة، على وشك بلوغ السبعة آلاف مليون، وحيث يعاني الجوع وسوء التغذية أكثر من ألف مليون منهم- يتعرض اليوم لأضرار جسيمة بسبب التغير المناخي، مما يخلق مشكلة خطيرة في العالم".

يوم السبت الماضي، الموافق 29، وردت في النشرة اليومية التي أتلقاها وتحتوي على أنباء منشورة عبر الإنترنيت، مقالة كتبها لستير ر. براون، ونُشرت في موقع "فيا أورغانيكا" الإلكتروني، مؤرخة في العاشر من كانون الثاني/يناير، وبرأيي أنه يتعيّن نشر محتواها بشكل واسع.

كاتب المقال هو من أشهر المدافعين عن البيئة في الولايات المتحدة والحائز على أكبر عدد من الجوائز بينهم، وقد ثابر على التحذير من الآثار الضارة لكمية ثاني أكسيد الكربون المتزايدة والهائلة التي يتم إطلاقها إلى الغلاف الجوي. من مقالته التي تستند إلى أسس متينة، سآخذ بعضاً فقط من الفقرات التي تشرح وجهات نظره على نحو متماسك.

"مع بداية السنة الجديدة، يصل سعر القمح إلى مستويات لم يسبق لها مثيل.

[...] لقد تضاعف تقريباً عدد سكان العام منذ عام 1970 حتى الآن، وما زال عددنا ينمو بوتيرة ثمانين مليون نسَمة سنوياً. هذه الليلة سيكون بيننا 219 ألف فاه جديد يحتاج للغذاء على المائدة، وعدد كبير من هذه الأفواه سيجد أطباقه فارغة. 219 ألف آخرون سينضمون إلينا يوم غد ليلاً. في لحظة ما يصبح هذا النمو المتواصل متمادياً بالنسبة لقدرة المزارعين وحدود الموارد الأرضية والمائية المتوفرة في الكوكب.

إن ارتفاع استهلاك اللحوم والحليب والبيض في البلدان النامية، وهو استهلاك ينمو بسرعة، لم يسبق له مثيل.

في الولايات المتحدة، حيث بلغ الإنتاج من الحبوب 416 مليون طن عام 2009، تم إرسال 119 مليوناً إلى مصانع الإيثانول من أجل إنتاج وَقود للسيارات. هذه الكمية تكفي لتغذية 350 مليون شخص سنوياً. الاستثمار الأمريكي الهائل في مصانع الإيثانول يوفر الظروف للتنافس المباشر على محاصيل الحبوب عالمياً بين السيارات وبين الأشخاص. في أوروبا، حيث نجد جزءاً كبيراً من الآليات يعمل بواسطة الديزل، هناك طلب متزايد على وقود الديزل الذي يتم إنتاجه من النبات، على الأخص ذلك القادم من زيت السلجم والنخيل. هذا الطلب على المحاصيل التي تحتوي زيوتاً لا يقلّص المساحة المتوفرة لإنتاج مواد غذائية فحسب، بل وأنه يعجّل في قطع أشجار الغابات الاستوائية في إندونيسيا وماليزيا من أجل تخصيص تلك المساحات لإقامة مزارع لإنتاج زيت النخيل.

[...] ارتفع النمو السنوي لاستهلاك الحبوب في العالم مما معدّله 21 مليون طن سنوياً خلال الفترة الممتدة بين عامي 1990 و2005 إلى 41 مليون طن سنوياً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2010. يمكن نسب القسط الأكبر من هذه القفزة الهائلة إلى فجور الاستثمارات في مصانع الإيثانول في الولايات المتحدة بين عامي 2006 و2008.

في ذات الوقت الذي تضاعف فيه الطلب السنوي المتزايد على الحبوب، نشأت ضائقات جديدة شهدها العرض، حتى في وقت تكثفت فيه تلك مشكلات قديمة العهد مثل تآكل التربة. يقدَّر أن ثلث الأراضي الصالحة للزراعة في العالم تفقد الطبقة النباتية بسرعة أكبر من المدة اللازمة لتكوّن التربة الجديدة من خلال العمليات الطبيعية، لتضيع بذلك الكفاءة الإنتاجية الملازمة لها. هناك كتلتان هائلتان من الغبار قيد التكوّن. الأولى تمتد في شمال غرب الصين وغرب منغوليا وآسيا الوسطى، والثانية في أفريقيا الوسطى. كل واحدة من هاتين الكتلتين هي أكبر بكثير من كتلة الغبار التي ضربت الولايات المتحدة في عقد الثلاثينات.

صور الأقمار الصناعية تُظهر تدفقاً متواصلاً لعواصف الغبار التي تنطلق من تلك المناطق، وبشكل عام تحمل كل واحدة منهما ملايين الأطنان من الطبقة النباتية القيّمة.

في هذه الأثناء، نفاد مصادر المياه يقلّص بسرعة مساحة المناطق المرويّة في أماكن كثيرة من العالم: هذه الظاهرة حديثة العهد نسبياً نجمت بسبب الاستخدام واسع النطاق للمضخات الميكانيكية لاستخراج المياه الجوفية. يعيش نصف سكان العالم حالياً في بلدان تنخفض فيها مستويات المياه الجوفية بقدر استنفاد الضخ المتمادي لآبار المياه. كلّما نفد بئر مائي لا بد من تقليص الضخ حسب وتيرة التعويض إذا لم نكن نريده أن يتحوّل إلى بئر متحجر (غير قابل للتجدد)، وفي هذه الحالة يتوقف الضخ كلياً. ولكن عاجلاً أم آجلاً تترجم المستويات الجوفية المتدنية نفسها بارتفاع في أسعار المواد الغذائية.

المناطق المرويّة تنخفض اليوم في الشرق الأوسط، وعلى الأخص في العربية السعودية وسورية العراق، وربما اليمن. العربية السعودية، التي كانت تعتمد كلياً على بئر جوفي متحجر هو نافد اليوم بالنسبة لاكتفائها الذاتي من القمح، يشهد إنتاجها انهياراً مفتوحاً. إنتاج العربية السعودية من القمح انخفض بين عامي 2007 و2010 حوالي الثلثين.

منطقة الشرق الأوسط هي المنطقة الجغرافية حيث يتسبب النقص المتزايد بالمياه بأكبر انخفاض في محاصيل الحبوب. ولكن النقص في المياه العالي في الواقع هو في الهند، حيث تشير أرقام للبنك العالمي إلى أن هناك 175 مليون شخص يتغذّون بحبوب يتم إنتاجها من خلال الضخ المتمادي [...]. في الولايات المتحدة، وهي منتج كبير آخر للحبوب في العالم، تتقلص المساحة المرويّة في ولايات زراعية رئيسية، مثل كاليفورنيا وتكساس".

ارتفاع درجة الحرارة أيضاً يزيد من صعوبة رفع مستوى الإنتاج العالمي من الحبوب بالسرعة اللازمة، لكي تتوازي مع وتيرة الطلب التي لم يسبق لها مثيل. المدافعون عن البيئة المعنيون بالمحاصيل لديهم قاعدتهم المقبولة بشكل عام: عن كل درجة مئوية من ارتفاع الحرارة فوق المستوى الأمثل خلال موسم النمو، يتعيّن توقع انخفاض بمردود إنتاج الحبوب يصل إلى عشرة بالمائة.

هناك اتجاه صاعد آخر يهدد الأمن الغذائي وهو ذوبان كتل جليد الجبال. يبعث هذا قلقاً خاصاً في هملايا وفي هضبة تيبيت، حيث الثلوج التي تذوب قادمة من كتل الجليد لا تغذي فقط أكبر الأنهار في آسيا خلال موسم الجفاف، كأنهار إندو وغانجز وميكونغ ويانغتسيه والنهر الأصفر، وإنما تغذي أيضاً أنظمة الري التي تعتمد على هذه الأنهار. بدون هذا الذوبان لكتل الجليد يمكن لمحاصيل الحبوب أن تشهد هبوطاً وأن ترتفع أسعارها بموازاة ذلك.

وأخيراً، على المدى البعيد، كتل الجليد التي تذب في غرينلاند وغرب المحيط المتجمد الشمالي، إلى جانب التمدد الحراري للمحيطات، يهدد برفع مستوى البحر حتى ستة أقدام خلال هذا القرن. بل وأن أي ارتفاع ثلاثة أقدام فقط يمكنه أن يتسبب بغرق المساحات المزروعة بالأرز في بنغلادش. كما أن من شأنه أن يُغرق جزءاً كبيراً من حوض نهر ميكونغ، حيث يتم إنتاج نصف كمية الأرز في فيتنام، وهي ثاني مصدّر للأرزّ في العالم. بشكل عام، هناك نحو 19 حوض نهري منتج للأرز في آسيا، حيث يمكن للمحاصيل أن تنخفض بشكل كبير بسبب ارتفاع مستوى البحر.

إن قلق الأسابيع الأخيرة ليس إلا البداية. لم يعد الأمر يتعلّق بنزاع بين قوتين عظميين شديدتي التسلح، وإنما يتعلق بنقص أكبر بالمواد الغذائية وبأسعار متصاعدة لهذه المواد (وما سيؤول إليه ذلك من اضطرابات سياسية) تهدد مستقبلنا العالمي. ما لم تنكب الحكومات عاجلاً على مراجعة المسائل الأمنية وتحوّل النفقات المخصصة للاستخدام العسكري نحو التخفيف من حدة التغير المناخي والفاعلية المائية وحماية التربة والاستقرار الديمغرافي، فإن كل الاحتمالات تدلّ على أن العالم سيواجه مستقبلاً أكثر اضطراباً من الناحية المناخية وأكثر تقلباً في أسعار المواد الغذائية. إذا واصلت فعل الأمور كما هي تفعلها حتى الآن، فإن أسعار المواد الغذائية لن تتجه إلا نحو الارتفاع".

النظام العالمي القائم فرضته الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية، وحافظت على كل الامتيازات لنفسها.

ليس لدى أوباما طريقة للتحكم بالعجيج الذي خلقوه هم. قبل أيام قليلة انهارت حكومة تونس، حيث كانت الولايات المتحدة قد فرضت النيوليبرالية وكانت سعيدة بمأثرتها السياسية. كلمة ديمقراطية كانت قد اندثرت من على المسرح. إنه لأمر لا يصدّق أن نرى واشنطن الآن، في لحظة تسيل فيها دماء الشعب المستغَل ويسطو هذا على المحال الجارية، تعبّر عن سعادتها لهذا الانهيار. لا أحد يجهل بأن الولايات المتحدة قد حوّلت مصر إلى حليفها الرئيسي في داخل العالم العربي. حاملة طائرات هائلة وغواصة نووية تحرسهما قطع بحرية حربية أمريكية وإسرائيلية عبرتا قناة السويس باتجاه الخليج الفارسي قبل عدة أشهر، من دون أن تتمكن الصحافة الدولية من معرفة ما يحدث هناك. إنه البلد العربي الذي تلقّى أكبر كمية من الأسلحة. ملايين الشبان المصريين يعانون البطالة وانعدام الغذاء اللذين يعانيهما الاقتصاد العالمي، وواشنطن تقول أنها تدعمهم. ماكييفيليتها تكمن في أنه كلما زاد تزويدها للحكومة المصرية بالأسلحة، كلما زادت "الوكالة الأمريكية للتنمية العالمي" (USAID) الأرصدة الموجهة للمعارضة. هل سيكون بوسع الولايات المتحدة وقف الموجة الثورية التي تهز العالم الثالث؟

اجتماع دافوس الشهير الذي اختتم أعماله للتو تحوّل إلى برج بابل، ولم توافق أغنى البلدان الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، الولايات المتحدة الرأي إلا في الخلافات القائمة معها.

لكن لا داعي للحد الأدنى من القلق؛ فقد وعدت وزيرة الخارجية الأمريكية من جديد بأن الولايات المتحدة ستساعد في إعادة بناء هايتي.

فيدل كاسترو روز

30 كانون الثاني/يناير 2011

الساعة: 6:23 مساءً